• الصليب وحكاياته

الثائر محب الدين الخطيب

May 15 2011 09:11:48

الكاتب : عبدالله الطنطاوي

هذا رجل جليل، سار ذكره في آفاق العروبة والإسلام طوال القرن الماضي، وما يزال الناس يذكرونه بالخير، فقد كان علماً في رأسه نور، وفي قلبه نور، وفي لسانه نور، وفي قلمه نورٌ وشواظ من نار تحرق أعداء العروبة والإسلام في كل مكان، عرباً مستغربين، وغربيين مستشرقين.
كان من أبرز أعلام الفكر العربي الإسلامي المعاصر، حمل أعباء الدعوة الإسلامية من بدايات القرن العشرين.
نشأته:
ولد محب الدين في حي القيمرية بدمشق، عام 1303هـ - 1886م في أسرة دمشقية كريمة، عريقة في أصولها الإسلامية، محافظة على دينها وأخلاقها، معتزة بهما، آخذة من العلم بحظوظ وافية.
أصل أسرته من بغداد، من ذرية الشيخ عبد القادر الكيلاني، ومنها نزحت إلى حماة، ونزح فرع منها إلى قرية عذراء (عدرا) ثم نزح فريق منها إلى دمشق، وصارت من أكبر الأسر الدمشقية عدداً، ومن أجلّها علماً وفضلاً.
كان أبوه الشيخ أبو الفتح الخطيب من أفاضل رجالات دمشق، وكان أمين دار الكتب الظاهرية، وتولى التدريس والوعظ في الجامع الأموي، وكان زاهداً، متقشفاً، يكره معاشرة الحكام، وله (مختصر تاريخ ابن عساكر) في خمسة أجزاء، و(مختصر تيسير الطالب) و(شرح للعوامل)، وأمه السيدة آسية الجلاد بنت محمد الجلاد - المزارع الكبير - تقية صالحة مشهورة بالفضل وعمل الخير، ومن أسرة دمشقية كريمة عريقة، وقد توفيت بريح السموم بين مكة والمدينة، بعد أن أدّت فريضة الحج، ودُفنت هناك في الفلاة، وكان محب الدين طفلاً صغيراً ماتت وهو في حجرها.
تعلم في دمشق، ومات أبوه وهو تلميذ في مكتب عنبر، فاضطر لتركه، ولزم دروس العلماء، ولما عاد الشيخ طاهر الجزائري إلى دمشق، لزمه الفتى محب الدين، وكان الشيخ له بمثابة الأب والمعلم والموجّه والمرشد.
وحبّب الشيخ إليه العلم، وقراءة التراث، والدعوة إلى الله، واستنهاض العرب من سباتهم وبياتهم الطويل، من أجل حمل رسالة الإسلام، وكان محبّ الدين يقول عنه: "من هذا الشيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي".
كان الشيخ طاهر يختار له بعض المخطوطات من تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله من العلماء العاملين، ويأمره بنسخها، ليستفيد بذلك علماً ومالاً واطلاعاً على الإسلام المصفى من البدع والخرافات، وأمره أن يعود إلى مكتب عنبر ليتابع دراسته، واختار له بعض العلماء ليحضر دروسهم، كالشيخ أحمد النويلاتي الذي أقرأه شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، وحفظ - بتلقينه - مقامات من كتاب (أطواق الذهب) للزمخشري، وعلّمه كيف ينطق الحروف، بإخراجها من مخارجها الصحيحة، مما أكسبه بياناً وفصاحة.
وكان محب الدين كثير القراءة في سائر علوم الشريعة، والعربية، والعصرية، وكان حّبه للعربية والعرب شديداً، وكان يرى أن الله تعالى اختص العرب بصفات ومزايا تجعلهم أصحاب رسالة، ومسؤولين عن القيام بأمر العقيدة الصحيحة السليمة.
كفاحه السياسي:
كان بعض الأساتذة في مكتب عنبر قد أساؤوا إلى محب الدين، ورسّبوه، فانتقل إلى بيروت، وأتم فيها دراسته الثانوية، ثم أبحر إلى الآستانة (إستنبول) والتحق بكليتي الآداب والحقوق معاً، ولكنّه لم يكمل دراسته فيهما أو في إحداهما، بسبب مطاردته وملاحقته من قبل الأجهزة الأمنية، بسبب تأسيسه جمعية النهضة العربية ونشاطه في أوساط الطلبة العرب في الآستانة، مما اضطره إلى العودة إلى دمشق، ومنها إلى اليمن.
وفي طريقه إلى اليمن توقف في مصر، ليلتقي شيخه الشيخ طاهراً الجزائري، وصديقه محمد كرد علي، واتصل فيها بأركان (جمعية الشورى العثمانية) الذين كانوا يطالبون بالحكم النيابي، وإعلان الدستور، ووضع حدّ للحكم الفردي، وكان منهم: الشيخ رشيد رضا، ورفيق العظم، والأديب التركي عبد الله جودت، وسواهم، وفوّضوه بتأسيس فرع جديد لجمعيتهم في اليمن، والبلاد العربية، من الرجال الصالحين.
ونشط في اليمن نشاطاً عظيماً في ميادين السياسة والصحافة، والطباعة، والتعليم، والنشاط الاجتماعي، والثقافي، الأمر الذي جعل الأجهزة تراقبه، وتضايقه.
المؤثرات في شخصيته:
" أسرته وبيئته الدمشقية العربية الملتزمة بإسلامها.
" الشيخ طاهر الجزائري الذي كان بمثابة الأب الروحي له.
" رجال النهضة: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والعروة الوثقى التي قال عنها: "إنها تقوم بمهام الدفاع عن حقائق الإسلام وحقوق المسلمين"، ورشيد رضا، والكواكبي.
" فساد الإدارة في الآستانة، وسياسة التتريك التي انتهجها الاتحاديون الطورانيون.
" المستشرقون الذين أظهروا عداءهم للإسلام، وصاروا مبشّرين بالنصرانية، والاستعمار.
أسباب ثورته على الأتراك:
كانت الأسباب التي دعت محب الدين وزملاءه والعديد من أبناء الثورة العربية كثيرة، لعل من أهمها:
1- حالة التخلف المزري الذي لحق بالأمة والدولة.. تخلف سياسي، واقتصادي، وثقافي، وتربوي.
2 - الاستبداد والبعد عن الشورى.
3-الازدراء باللغة العربية وسياسات التتريك التي انتهجها يهود الدونمة وجمعياتهم الماسونية، ومنها جمعية الاتحاد والترقي.
4-التضييق على الحريات العامة، والحريات الشخصية.
5- السماح للمحافل الماسونية أن تنشط في سائر المدن والأقاليم العثمانية.
عاشق الحرية:
كان محب الدين من عشاق الحرية منذ نعومة أظفاره، فكان يقرأ ما كتبه الكواكبي والأفغاني ومحمد عبده عن الحرية، فيشتد حبه لها، وكرهه للاستبداد، ولقي في سبيل هذا العشق الألاقي منذ يفاعته.
وخشي الفتى النابه من استمرار التحامل عليه، وقرر الانتقال إلى بيروت، وانتقل معه كثير من زملائه الطلاب، مما يدل على شدة تأثيره فيهم، وتعلقهم به، ونجح في دراسته هناك نجاحاً باهراً، وكان له في بيروت نشاط أدبي وسياسي كبير خلال تلك السنة (1323هـ).
السياسي:
وفي الحادي والعشرين من المحرم سنة 1327هـ ترك الحديدة، وتوجه إلى دمشق، من أجل تنشيط العمل في جمعية النهضة العربية في إطار الدستور العثماني، وداخل الدولة العثمانية، ولم يكن يسعى للانفصال عن دولة الخلافة، كل ما كان يريده، أن يستمتع العرب بالنظام الدستوري، وأن يعودوا إلى عروبتهم بما فيها من دين وأخلاق ولغة وفضائل، وإلى أن يعيشوا زمانهم، ويكونوا في منظومة الأمم الحية.
يقول: "إني أقرّ بكل صدق، بأني أنا وجميع من استعنت بهم، وتعاونت معهم من رجالات العرب وشبابهم، لم يخطر على بالنا الانفصال عن الدولة العثمانية.."
ويقول: "من مصلحة العرب في الدولة العثمانية، أن تعترف لهم الدولة بلغتهم في الإدارة والتعليم في البلاد التي يتكلم أهلها العربية، وألا تبلغ فيها الحماقة إلى حدّ أن يكون التعليم في بلادهم بلغة أجنبية عنهم، وإلى حدّ أن تكون لغتهم محرَّماً عليهم أن تكون لغة الإدارة والقضاء في صميم الوطن العربي".
وفي دمشق رفضت الدولة العثمانية الاعتراف بجمعية النهضة العربية، وأجبروا القائمين عليها أن يجعلوا اسمها: جمعية النهضة السورية..
كان محب الدين حركة دائبة، ورجل سياسة وإعلام وثورة وإصلاح، شارك في العديد من الجمعيات والهيئات والأحزاب التي يراها سليمة التوجه، ومنها حزب اللامركزية العثماني، برئاسة رفيق العظم، وعضوية الشيخ محمد رشيد رضا، وكان محب الدين عضواً في مجلس الإدارة، وأميناً للسرّ.
ومنها جمعية (العربية الفتاة) ذات الدور الكبير في السياسة.
وكان مشرفاً على اللجان التي تشكلت لجمع المال من أجل المجاهدين الذين يستعدون لملاقاة الفرنسيين الغزاة في (ميسلون) قرب دمشق.
وكان محب الدين رجل مؤسسات، ولذلك كان يبادر إلى تأسيس الجمعيات، والعمل في الأحزاب.
الجمعيات:
السيد محب الدين ذو عقلية منظمة، يدرس الأمور دراسة منهجية، ويخطط لغده، ثم يقدم.
وكان من توجيه أستاذه الشيخ طاهر الجزائري، أن يعمل على إيقاظ العرب من غفلتهم، وهذا ما حداه لأن يعمل في أوساط الطلبة العرب في الآستانة، ويقوم بعملية توعية لهم بلغتهم، وبأمتهم، وما يحيط بها من أخطار، وقد بادر إلى تشكيل جمعية النهضة العربية معهم.
ثم اضطر بعد ملاحقته إلى مغادرة الآستانة إلى دمشق، وأسس فيها فرعاً لجمعية النهضة العربية.
وكان من الأعضاء العاملين في جمعية الشورى العثمانية.
وكان أمير سر جمعية التعارف الإسلامي التي أسسها رشيد رضا.
وفي القاهرة كان صاحب فكرة تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وأحد مؤسسيها البارزين، وأمين سرّها.
ضدّ الصهيونية:
كان محب الدين من أوائل المفكرين والأدباء العرب الذين تنبّهوا لأخطار الصهيونية، وحذروا منها، حين كشف الغطاء عن حقائقها وأسرارها، وعن محاولة اليهود في الوصول إلى فلسطين منذ عام 1844م ومطالبتهم لمحمد علي باشا بفلسطين، وما كان بينهم وبين السلطان عبد الحميد بهذا الشأن عام 1902.
الصحفي:
نستطيع أن نزعم أن السيد محب الدين الخطيب هو رائد الصحافة العربية الإسلامية، فقد كان صحفياً بالفطرة، بدأ الكتابة في الصحف وهو ما يزال تلميذاً في مكتب عنبر، وأخذ ينشر ما يكتب وما يترجم عن اللغة التركية في صحيفة (ثمرات الفنون) البيروتية.
وعندما عمل في مدينة الحديدة باليمن، أسس شركة مساهمة للصحافة والطباعة، وأصدر جريدة باسم (جريدة العرب) وأنشأ مطبعة باسم (مطبعة جزيرة العرب).
وعندما رجع إلى دمشق، شارك العاملين في جريدة القبس، بتحرير الملحق الأدبي للجريدة: (طار الخرج) الكوميدية الناقدة التي أقبل الجمهور على شراء العدد الأول منها بأضعاف ثمنه.
شارك في تحرير (جريدة المؤيد) وترجم ونشر فيها الكثير عن أعمال المبشرين البروتستانت، نقلاً عن مجلتهم (مجلة العالم الإسلامي) الفرنسية، و فضح ما يراد بالمسلمين من شرّ على أيديهم وعقولهم الملوّثة، وكان لنا من ذلك كتاب (الغارة على العالم الإسلامي) الذي كان له دويّ في العالم الإسلامي.
وفي الحجاز عمل مع الشريف حسين، وحرر له جريدة (القبلة).
وعندما ترك الحجاز وعاد إلى دمشق، تولّى إدارة الجريدة الرسمية (العاصمة) وتحريرها، وكتب فيها مقالات رائعة.
وعندما قرر الاستقرار في مصر، عمل في تحرير جريدة الأهرام نحواً من خمس سنين، وأنشأ المكتبة السلفية، والمطبعة السلفية، بثمن بيته الذي باعه في دمشق.
وأصدر مجلة الزهراء الشهرية، وهي مجلة أدبية اجتماعية ذات طابع أكاديمي (1343هـ - 1924م) ولكنها كانت تلهب المشاعر، وتوقد العواطف كدأب محب الدين في مقالاته وأبحاثه.
ثم أصدر جريدة (الفتح) من (1344 - 1367هـ) وهي مجلة إسلامية أسبوعية، تركت لنا حصيلة ضخمة من الثقافة والفكر والتاريخ والسياسة، أنشأها لمماشاة الحركة الفكرية الإسلامية، وتسجيل أطوارها، ولسدّ الحاجة إلى حادٍ يترنم بحقائق الإسلام، مستهدفاً تثقيف النشء الإسلامي، وصبغه بصبغة إسلامية أصيلة يظهر أثرها في عقائد الشباب وأخلاقهم وتصرفاتهم.
والزهراء والفتح هما امتداد لمجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا، التي هي امتداد للعروة الوثقى، وكان محب الدين من كتّاب المنار المهمّين.
ثم تولّى رئاسة تحرير مجلة الأزهر، وكانت افتتاحياته فيها نارية، صبّ فيها الكثير من نفسه وعقله وتوهّج عواطفه.
كتبه:
على الرغم من حياته المضطربة في الحلّ والترحال، استطاع محب الدين كتابة عشرات المقالات والأبحاث التي لم تجمع في كتب، وتمكّن من التأليف والتحقيق والترجمة للعديد من الكتب.
فمن كتبه المطبوعة:
1 - اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب.
2 - الأزهر: ماضيه، وحاضره، والحاجة إلى إصلاحه.
3 - ذكرى موقعة حطين.
4 - تقويمنا الشمسي.
5 - مع الرعيل الأول.
6 - الحديقة (14) جزءاً.
7 - قصر الزهراء في الأندلس.
8 - طاغور.
ومن الكتب التي حققها وعلّق عليها:
1 - العواصم من القواصم، لأبي بكر بن العربي: وهو من الكتب المهمة التي حقّقها وعلّق عليها تعليقات جيدة، برزت فيها مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أراد بتقديمه للناس (عكس ما يريد المتعرضون لهذه البحوث من ترديد خلافات عفا عليها الزمن، والصحابة كانوا أسمى أخلاقاً، وأصدق إخلاصاً لله، وترفعاً عن خسائس الدنيا، من أن يختلفوا للدنيا، لكن كان في عصرهم من الأيدي الخبيثة التي عملت على إيجاد الخلاف وتوسيعه، مثل الأيدي الخبيثة التي جاءت فيما بعد، فصوّرت الوقائع بغير صورتها.
ولمّا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم قدوتنا في ديننا، وهم حَمَلة الكتاب الإلهي، والسنّة المحمدية إلى الذين حملوا عنهم أماناتهم حتى وصلت إلينا، فإن من حقّ هذه الأمانات على أمثالنا أن ندرأ عن سيرة حَفَظَتها الأولين كلَّ ما أُلصق بهم من إفك ظلماً وعدواناً، لتكون صورتهم التي تُعرض على أنظار الناس، هي الصورة النقية الصادقة التي كانوا عليها، فالخطيب لا يحقق من التراث إلا ما كان مفيداً، ويؤدي وظيفة ضمن رسالة سامية شاملة).
وفاته:
توفي - رحمه الله رحمة واسعة- في القاهرة، في ذي القعدة 1389هـ - شباط 1969م ، ودُفن فيها، كدأب أكثر زعماء سورية في النصف الثاني من القرن الماضي وحتى اليوم.
 
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
غزة أمام امتحان جديد

غزة أمام امتحان جديد

محمد كريشان حيت حركة «حماس» السلطة الفلسطينية فردت عليها التحية...

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

التأريخ الهجري واستقلالية الأمة

د. أحمد عبد الحميد عبد الحق سيهل علينا بعد قليل العامُ الهجري الجديد...

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

أصحاب الأخدود عبر العصور والحدود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع...

جديد الأخبار المزيد
 هيومن رايتس ووتش تدعو السلطات اللبنانية إلى احترام حقوق اللاجئين السوريين

"هيومن رايتس ووتش" تدعو السلطات اللبنانية إلى احترام حقوق اللاجئين السوريين

كشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" النقاب عن أن العديد من اللاجئين...

خبراء عرب ينتقدون دعوة السيسي للفلسطينيين للقبول بالتعايش مع الاحتلال

خبراء عرب ينتقدون دعوة السيسي للفلسطينيين للقبول بالتعايش مع الاحتلال

انتقد أكاديميون وخبراء عرب، دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي...

4 منظمات حقوقية تقدم بلاغاً لـ الجنائية الدولية حول جرائم الاحتلال بالضفة

4 منظمات حقوقية تقدم بلاغاً لـ "الجنائية الدولية" حول جرائم الاحتلال بالضفة

اتهمت أربع منظمات حقوقية فلسطينية مسئولين مدنيين وعسكريين...

  • أيام في سيلان والمالديف