• الصليب وحكاياته

أنور الجندي : قاوم التغريب والغزو بـ ( 300 ) كتاب

May 15 2011 09:10:35

الكاتب : عبدالله الطنطاوي

أنا محام في قضية الحكم بكتاب الله ، ما زلت موكلاً فيها منذ بضع وأربعين سنة ، منذ رفع هذه القضية ، الإمام الذي استشهد في سبيلها قبل خمسين عاماً للناس ، حيث أعد لها الدفوع ، وقدم المذكرات ، بتكليف ، بعقد وبيعة إلى الحق تبارك وتعالى ، وعهد على بيع النفس له ، والجنة ، سلعة الله الغالية ، هي الثمن لهذا التكليف.
وتابع الأستاذ أنور الجندي معرفاً بنفسه : إنني محام للدفاع عن ميراث هذه الأمة.. إنني محام لتصحيح المفاهيم وكشف الزيف والشبهات عن فكر الإسلام.. وأسأل الله أن أموت مجاهد الكلمة ، شهيد الحق.
هذا هو أنور الجندي ، شخصية هذا العدد ، كما قدم نفسه.
الميلاد والنشأة :
ولد أنور الجندي عام 1916 في مدينة ديروط –  محافظة أسيوط ، في أسرة مسلمة مؤمنة ملتزمة بدينها ، عاملة بتعاليمه ، مؤدية لعباداته ، متخلقة بأخلاقه ، فوالده كان يتاجر بالأقطان ، ولكنه كان يحب الثقافة والمثقفين ، وعلماء الدين ، وكان وطنياً يجاهد بماله ، ويدعو إلى الجهاد ويحب المجاهدين ، ويتابع الأحداث الوطنية والعربية والعالمية.
وكان جده لأمه قاضياً شرعياً ، ويشتغل بتحقيق التراث.
تعليمه :
حفظ القرآن في كُتّاب القرية ، ثم درس في كلية التجارة ، ونال شهادتها ثم واصل دراسته الجامعية في المساء حيث درس الاقتصاد والمصارف وإدارة الأعمال ، وتخرج في الجامعة الأمريكية مجيداً للغة الإنكليزية التي درسها خصيصاً ليستطيع متابعة ما يثار حول الإسلام من شبهات من الشرق والغرب ، ويرد عليها.
فقد حمل على كاهله مقاومة التغريب والغزو الفكري ، وكان بالمرصاد لدعاة التغريب ، يكشف زيفهم ، ويهتك سترهم ، بلغوا من المكانة ما بلغوا.
في الصحافة :
بعد تخرجه في الجامعة ، عمل في الصحافة التي أحبها وهو ما يزال فتى ، وكتب فيها وعمره سبعة عشر عاماً ، فقد نشر في مجلة ( أبولو) التي كان يصدرها أبو شادي سنة 1933 وكانت قد أعلنت عن مسابقة لإصدار عدد خاص عن حافظ إبراهيم ، فكتب أنور مقالة نشرتها أبولو ، وكان يفخر بها ، لأن المجلة ما كانت تنشر إلا لكبار الكتاب.
كان الأستاذ الجندي من رواد الصحافة الإسلامية في مصر ، قعّد لها وشرح أصولها ، فقد كان يؤمن بالكلمة المكتوبة ، كما يؤمن بالكلمة المسموعة.
عمل في جريدة الجمهورية ، وكان عضواً في نقابة الصحفيين المصرية ، وكان يراسل ويكتب في عشرات الصحف والمجلات المصرية والعربية والإسلامية.
المؤثرات في حياته :
□ تلك البيئة الصالحة التي ولد في أحضانها ونشأ وترعرع ، حيث المسجد ، والقرآن والصلاة ، والكتاب ، والفقيه.
□ القرآن العظيم الذي حفظه وهو فتى ، وبقي متعلقاً به طوال حياته.
□ السنة والسيرة.
□ الإسلام بمفهومه الأصيل ، كما كشف عنه الأستاذ الإمام حسن البنا.
□ مسألة الغزو الفكري والتغريب التي يراها كبرى قضايا العصر ، وأول تحديات النفوذ الأجنبي الذي أفسد الأجيال التي تأثرت به ، عن طريق الاستشراق والماركسية والصهيونية ، وهي جميعاً تنفث سمومها في تلك الأجيال ، من أجل القضاء على الهوية الإسلامية .
وقد تصدى لذلك الغزو ، الذي شغل من نفسه وفكره وعقله وقلبه ما لم يشغله شيء آخر.
صفاته :
حباه الله صبراً جميلاً ، وبالاً طويلاً ، جاداً ، فحياته عمل متواصل ، ولا يضيع أوقاته ، كان يصلي العشاء ثم ينام ساعتين أو ثلاثاً ، ثم يستيقظ ليصلي القيام ، وبعد الفجر ينام ساعتين ، ثم يستيقظ لقضاء الحاجات اليومية ، فيشتري الفطور والجرائد وكل ما يلزم البيت.
وكان زاهداً في هذه الدنيا ، وكان يطبع كتبه بما يأخذه من الناشرين ، ومنزله مليء بالكتب ، وهو عبارة عن شقة بسيطة جداً في حي شعبي مليء بالضجيج ، فهو من فقراء المسلمين.
لم يسع إلى منصب ، ولا إلى مال ، ولا إلى الشهرة والأضواء ، يكتفي بالقليل من الطعام الذي يقيم أوده ، ويخدم نفسه بنفسه ، كما يخدم جيرانه ، ولم يكن يوماً عبئاً على أحد من أقربائه أو زملائه أو جيرانه ، وكان يحب الخير لهم ، وكانوا يحبونه ، ويتفاءلون به ، ويعدونه من أهل الله ، وعلى باب الله ، وكان مجاهداً بلسانه وقلمه ، وداعياً إلى الإسلام ومكارم الأخلاق بسلوكه الملتزم بأوامر الله ، المنتهي عما ينهاه الله عنه ، وعن كل ما يخدش المروءة.
وكان لا يهتم بالمظاهر ، ولا الوسائل ، ويهتم الأهداف والمقاصد ، لم يكن لديه في البيت سخان ولا مروحة ، ولا مكتب أو غرفة خاصة للكتابة ، فكان يكتب على منضدة صغيرة ، ولم تكن له سيارة ، بل كل يتنقل بالباصات كسائر الناس البسطاء الفقراء من أهل مصر.
وكان زاهداً بالجوائز ، والشهادات ، والاحتفالات ، وشهادات التقدير ، جاءته جائزة كبيرة مرموقة ، فأباها وقال : (إنما أطلب جائزتي الكبرى من ربي .. لا أريد أن آتى يوم القيامة فيقال لي : لقد أخذت جائزتك من فلان).
وقدمت له درجة الدكتوراه الفخرية على أحد مؤلفاته ، فأبى مترفعاً ، وقال بعض المثقفين : (كل مؤلفاته تستحق مثل ذلك).
وفي مرضه الأخير استأذنته إحدى الجامعات الاستشراقية الكبيرة في الغرب ، أن تطلق اسمه على إحدى قاعاتها الكبرى ، فرفض ذلك قائلاً : (لقد حاولوا شراء هذا القلم من قبل فما استطاعوا ، ولن أمكنهم اليوم من ذلك أبداً).
وكان سمحاً في تعامله مع سائر الناس ، يبذل لهم من ماله ووقته العزيز عليه ، ومن راحته ، ويعتبرهم بمثابة أولاده ، ويعتبر نفسه مسؤولاً عنهم أمام الله، حتى إنه كان يحمل جراء المياه عند انقطاع الماء ، ويضعها أمام شقق جيرانه، حتى لا تفوتهم صلاة الفجر ، وإذا انقطع التيار الكهربائي ، أعطاهم الشموع.
وكان عابداً يبدأ يومه بصلاة الفجر ثم تلاوة ما تيسر من آيات الكتاب العزيز ، ثم بالصدقة وكانت مواعيد طعامه هي مواقيت الصلاة فكان الإفطار بعد صلاة الفجر، والغداء بعد صلاة الظهر ، والعشاء بعد صلاة العصر.
كان لا يأكل ولا يكتب إلا متوضئاً ، وكان يردد : الوضوء سلاح المؤمن ، وفي أيامه الأخيرة : كانوا إذا قدموا له كوباً من الماء ليشرب ، توضأ بما فيه من ماء.
وإذا دهمه أمر فزع إلى الصلاة ، وكان لا يخاصم أحداً لدنيا ، بل كانت خصومته لله ، وحبه في الله ولله.
وإذا أهدوا إليه ملابس فاخرة ، أو أقمشة وأجواخاً ثمينة ، أهداها لتلاميذه ومحبيه ، وبقي في لباسه القديم الخشن ، وهو قليل أيضاً.
أهدته ابنته الوحيدة الحاجة فائزة حذاء جديداً ليستبدله بالقديم ، فأعرض عنه، وقال لها : (هذا حذاء الملوك ، أما حذاء الأنبياء فهذا) وأشار إلى حذائه القديم.
وكان حلو المعشر ، رقيق العبارة ، ذكي النفس والقلب ، ينصح بحكمة ورقة، ولا يزجر ولا يؤنب ، يصبر على الأذى ، ويحسن إلى من يسيء إليه.
وكان حريصاً على الوقت ، فما كان يضيعه في سهرات أو جلسات طويلة ضحلة الفائدة ، بل كان (يستغل) وقته حتى وهو في معتقل الطور بالواحات ، أيام عبد الناصر ، ويقبل على المطالعة والكتابة.
وقد وصفه الأستاذ حسن عاشور سكرتير تحرير مجلة الاعتصام – رد الله غيبتها – بحق فقال : (فهو الداعية الذي لم تلن له قناة ، وهو الكاتب الإسلامي الذي لم يقصف له قلم ، وهو المجاهد الفذ الذي لم يتنازل عن مبدأ ، أو يساوم على عقيدة ، وإنما خرج من المعتقل ، وقد ازداد تمسكاً بمبادئه وتشبثاً بعقيدته).
مراحله الفكرية :
مر الجندي بعدة مراحل :
□ مرحلة نقد المجتمع فيما بين (1940 – 1950).
□ مرحلة معالجة الواقع (1950 – 1964) وفي هذه المرحلة تناول قضايا الوطنية والقومية بقبول ، ما لبث أن اكتشف زيفه فيما بعد ، وفي هذه المرحلة ما فيها من تقية.
□ مرحلة تمجيد الأمة بتاريخها ، وأبطالها ، وتراثها ، وهذه هي مرحلة سيطرة الشيوعيين على وسائل الإعلام المصرية في عهد عبد الناصر ، وقد ارتكب فيها أخطاء في أمور تاريخية ، ما لبث أن تراجع عنها.
□ مرحلة التأصيل والبناء ، وهي مرحلة الاتصال بالدعوة الإسلامية وحركتها الكبرى ، وكان هدفه فيها : الدعوة إلى الله على بصيرة ، لتكون كلمة الله هي العليا.
من آرائه :
يرى أن العلم أمانة ، وأنه مسؤول عما ائتمن عليه وخطه قلمه طوال سبعين عاماً على طريق الدعوة الإسلامية.
أحس بالخطر يحيط بالإسلام ، والقرآن ، وتاريخ الإسلام ، وبلغة الإسلام والقرآن ، وتكشفت له أبعاد مؤامرة خطيرة ضمن مخطط عنوانه : (حرب الكلمة) بعد هزيمة الصليبيين في حروبهم الظالمة على الإسلام والمسلمين ، في دعوة عريضة إلى إعلان حرب ظالمة أخرى ، مكملة لحرب الصليب الذي حملوه معهم من الغرب.. وهذه الحملة الصليبية تقوم على تزييف مفاهيم الإسلام ، وتدمير قيمه، عن طريق التأويل والتمويه ، لإخراج الإسلام من ذاتيته الخاصة ، وتميزه المتفرد، بوصفه منهج حياة ونظام مجتمع وبإيجاد مفهوم لاهوتي يقصر الإسلام على العبادة وحدها وبحجب دوره الأصيل في بناء منهج متكامل ، قوامه السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية وسواها من قضايا الحياة.
كان يميز بين العروبة النقية المؤمنة التي تبناها ودعا إليها : شكيب أرسلان، ومحب الدين الخطيب ، ومحمد رشيد رضا ، وحسن البنا ، وبين العروبة العلمانية القائمة على أفكار قومية مستوردة منحرفة ، كتلك التي نادى بها ساطع الحصري ، وميشيل عفلق ، وأضرابهما.
الغزو الفكري :
لفت نظره كتاب المستشرق جب (وجهة الإسلام) وما سبقه وتلاه من كتابات المبشرين والمستشرقين والمستغربين ، وأدرك أن المؤامرة كبيرة على الأمة من خلال هدم الإسلام واللغة العربية ، تمهيداً لتمزيق وحدة الأمة التي لن تكون إلا بالإسلام ولغة القرآن ، فانطلق يتصدى لهذه المؤامرة بخطوطها العريضة ، وبالتفصيلات الدقيقة التي يلمحها المتتبع الحصيف في ظلال الكلمات وبين السطور.
لاحظ أن المناهج الغربية تعمل على تعرية الشخصيات الإسلامية ، وتبحث عن الشبهات ، وتفصل الأدب عن الدين والأخلاق ، وتطلق الفنون والآداب من قيود الأخلاق والأعراف الأصيلة ، وتقدم أبطالنا وشخصياتنا بأسلوب يكرههم للقارئ ويحقرهم.
ورأى أن طه حسين قمة أطروحة التغريب ، ومتولي كبرها ، فانبرى له ، مفنداً آراءه التي نقلها عن أساتذته المستشرقين أعداء العروبة والدين ، كما تصدى لمروجي أفكار فريد ، وماركس ، ودور كايم وسواهم من أعمدة مدرسة العلوم الاجتماعية التي كانت تعلي من شأن المعدة والمادة والجنس على حساب القيم.
وتصدى لأولئك الذين يرجون لمدرسة تولستوي وغاندي الذين يحاولون دحض فريضة الجهاد ، ويدعون إلى الخضوع والاستسلام باسم السلام.
تصدى لمروجي أفكار الشعوبية والمجوس والباطنية والصليبية الجديدة ، والإسرائيليات ، أولئك الذين زعموا أن الإسلام دين عبادة ، ومكانه في المسجد ، ودعوا إلى إبعاده عن السياسة والمجتمع ، وأثاروا الخلافات المذهبية ، وحاولوا توسيع الفجوات بين الطوائف ، وزعموا أن الإسلام يختلف بمفهوماته من شعب لآخر (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً).
تصدى للمستشرقين المخربين ولتلاميذهم من العلمانيين والقوميين من الأتراك والعرب ، ولم تأخذه في تعريتهم وتفنيد آرائهم لومة لائم .. أولئك الذين حاولوا التشويش على العقيدة ، ثم الطعن بها ، وقسموا العلوم إلى دينية لاهوتية ، وإلى دنيوية ، وكانت حركة الإخوان المسلمين تخوض أعتى المعارك مع الشيوعيين الذين مكن لهم عبد الناصر في الصحافة وسائر وسائل الإعلام ، وشن هو حرباً عليهم تبتغي استئصالهم واستئصال فكرهم من الوجود ، وتأثر أنور الجندي بتلك المعركة ، وأصابه منها الاعتقال والتضييق ، فلجأ إلى (التقية) حيناً من الدهر ، وصار يكتب ما يكتب وهو يتقي منهم تقاة تقيه الوبال الذي ألحقوه بشيوخ الجماعة ومفكريها وأدبائها ودعائها ، الذين دعوا إلى أن يكون الإسلام منهج حياة ، ونظام ومجتمع.
المؤتمرات :
شارك الجندي في عدد كبير من الندوات والمؤتمرات الإسلامية في القاهرة ، والرياض ، والجزائر ، والمغرب ، وجاكارتا ، ومكة المكرمة ، والأردن ، والخرطوم ، وسواها.
ودعي إلى الزيارة والمحاضرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وجامعة العين في الإمارات ، ومجمع اللغة العربية الأردني.
وكان يثري تلك المؤتمرات بأبحاثه التي تدعو إلى أسلمة القوانين والمناهج والإعلام ، وقد زادت على الثمانين بحثاً.
فلسطين :
أخذت القضية الفلسطينية حيزاً كبيراً من تفكيره ، وكتاباته ، وأدرك الخطر الصهيوني على الأمة ، والأرض ، والقيم ، وعلى العروبة والإسلام ، بسعي اليهود وعملائهم ومواليهم من النصارى المتصهينين في أوربا وأمريكا ، لإقامة دولة (إسرائيل الكبرى) من الفرات إلى النيل ، وبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى الأسير .. أدرك هذا ، فاستنفر المسلمين في كل مكان لمواجهة هذا الخطر ، وأهاب بهم أن يهبوا لتحرير الأقصى والقدس وفلسطين من بين براثن أشرار الناس.. يهود .. وكان لا يفتأ يذكر المسلمين بأن فلسطين وقدسها وأقصاها أمانة في أعناقهم ، وأن الجهاد هو الطريق للتحرير ، وليس من طريق سواه.
الكاتب والمؤلف :
لقد أثرى الأستاذ أنور الجندي المكتبة العربية بحوالي ثلاثة مئة كتاب ، بعضها في عدة مجلدات ، وهي الموسوعات العشر التي ألفها ، وهي :
-   موسوعة مقدمات العلوم والمناهج.
-   الموسوعة الإسلامية العربية
-   موسوعة معالم الأدب العربي المعاصر.
-   موسوعة التأصيل الإسلامي.
-   موسوعة تراجم الأعلام.
-   موسوعة معالم تاريخ الإسلام.
-   موسوعة تاريخ الصحافة الإسلامية خلال القرن الرابع عشر الهجري.
-   في دائرة الضوء ، وهي موسوعة فكرية مبسطة في الثقافة العامة.
-   المعلمة الإسلامية ، موسوعة إسلامية تعرف بالإسلام.
-   موسوعة العلوم الإسلامية.
كانت كتاباته – في البداية – قاصرة على الأدب العربي ، والصحافة العربية ، ولكنه ، منذ عام 1960 بدأت اهتماماته تتراحب وتتسع وتتقدم نحو الفكر الإسلامي المعاصر ، واشتباكه مع الفكر الغربي بشقيه ، الماركسي والرأسمالي ، فكتب في الحضارة ، والتراث ، والاجتماع ، والفلسفة ، ودعا إلى تنقية الفكر الإسلامي مما لحق به من شوائب الثقافات الشرقية والغربية الغازية ، وبعد أن التقى الأستاذ حسن البنا ، فهم أن للكاتب المسلم رسالة في هذه الحياة ، فنذر الجندي نفسه لتلك الرسالة منذ عام 1932 ، وصار يكتب في صحف الإخوان ، وانطلق إلى تأصيل الفكر الإسلامي ، وتقديم البدائل ، واستمر في هذا ، وعلى العديد من المحاور حتى لقي ربه.
مكتبته :
اقتنى الجندي وقرأ الكثير الكثير مما وقعت عليه عيناه من التراث العربي الإسلامي ، وعنده مكتبة عامرة بعلوم اللغة العربية ، والعلوم الشرعية ، وسواها من العلوم ، وآلاف مؤلفة من الصحف والمجلات الأدبية والثقافية.ولديه أرشيف صحفي يضم آلاف الموضوعات السياسية ، والثقافية ، والفكرية.
ونحن نخشى على مكتبته وأرشيفه من الضياع ، كما ضاع غيرها لعدد من العلماء والأدباء والمفكرين ، وحبذا المبادرة إلى الحفاظ على هذه الثروة القيمة ، بتحويل بيته ومكتبته إلى مكتبة عامة ، يستفيد منها الدارسون والباحثون وطلبة العلم ، خاصة أنه أوصى أن تصنف كتبه ومكتبته ، وتعطى لمؤسسة إسلامية تطرحها لجمهور القراء والباحثين للإفادة منها ، أي أن تكون وقفاً للمسلمين.
الرحيل :
مضى الرجل إلى ربه يوم الاثنين 14/11/1422هـ الموافق 28/1/2002 بعد صراع طويل مع المرض الذي شل حركته.. رحل دون أن يدري به أحد ، ودون أن تشير وسائل الإعلام إلى وفاته ، ونعاه الشيخ يوسف القرضاوي بقوله : (مسكين أنور الجندي ، لقد ظلمته أمته ميتاً ، كما ظلمته حياً ، فلم يكن الرجل ممن يسعون للظهور ، وتسليط الأضواء عليه ، كما يفعل الكثيرون من عشاق الأضواء الباهرة ، بل عاش الرجل عمره راهباً في صومعة العلم والثقافة ، يقرأ ويكتب ، ولا يبتغي من أحد جزاء ولا شكوراً ، كأنما يقول ما قال رسل الله الكرام : (وما أسألكم عليه من أجرى إن أجري إلا على رب العالمين). (الشعراء : 109)".
رحل أنور الجندي عن خمسة وثمانين عاماً أمضاها في طاعة الله ، والذود عن الإسلام ، وقد خلف أكثر من ثلاث مئة كتاب ، ذكر الطبيب الذي كان يعالجه : أنه استقبل القبلة قبل مفارقة الدنيا ، وصلى ، وقال بصوت مسموع : "إني فرح بلقاء الله" "بأبي أنت وأمي يا سيدي رسول الله".
مجلة المنار ، العدد 84 ، رجب 1425 هـ.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف