• الصليب وحكاياته

محدّث الديار الشامية.. الشيخ بدر الدين الحسني

May 15 2011 09:10:01

الكاتب : عبدالله الطنطاوي

ثمة رجال يموت ذكرهم، وتندثر أسماؤهم وتُمحى، بمجرد موتهم، فكأنهم كانوا عابري سبيل في هذه الحياة، لم يتركوا وراءهم أثراً يدلّ على عبورهم هذه الدنيا، مهما طالت أعمارهم.
وهناك رجال يكونون ملء سمع الدهر، لا يمرّ يوم من أيامهم، من دون أن يخلّف أثراً حميداً ينضاف إلى آثار حميدة أخرى، تخلّد ذكر صاحبها في هذه الحياة. ومن هذا النمط الرائع من الرجال، علاّمة الشام، ومحدّثها الأكبر، الشيخ بدر الدين الحسني الذي نقدم جوانب من حياته الحافلة بالعلم والصلاح والسلوك الإسلامي المثالي الذي بلغ به منزلة لم ينلها أحد في عصره .
الميلاد والنشأة :
ولد الشيخ بدر الدين محمد بن الشيخ يوسف المغربي المراكشي في دمشق عام 1267هـ-1851م وهو من أصل مغربي، من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكان أحد أجداده قد انتقل إلى مصر، وفي قرية بيبان من محافظة البحيرة بمصر، ولد أبوه الشيخ يوسف، ثم رحل إلى تونس، وتعلم في جامع الزيتونة، ثم عاد إلى الشرق، وأقام في دمشق، واشتهر بالمغربي، وكان الشيخ يوسف من كبار علماء دمشق، وقد نشأ الفتى بدر الدين في أحضان ذلك العالم العامل العابد، على العلم والتقى والصلاح والسلوك المستقيم، حتى كان لنا منه ذلك العالم الرباني، خاتمة المحققين، وأعظم المحدّثين في عصره وإلى يوم الناس هذا.
عاش ثمانين عاماً للعلم وبالعلم، وللناس، والأمة، حتى صار المرجع في كل فن، وفي كل أمر خاص أو عام، فقد كان عجيباً في علمه، وإحاطته، واستقامة ذاكرته التي لم تؤثر فيها الأيام، وصار فهرساً حيّاً لكل مخطوط ومطبوع من الكتب، لا يشغله شيء عن القراءة، إلا أن يكون نائماً، أو في صلاة، أو درس، ما فارق الكتب، وما أحبّ من دنياه سواها.
طبائعه وأخلاقه :
كان للشيخ في سائر أحواله طبائع وأوضاع خاصة لا يتخلّى عنها؛ فهو منظم؛ ينظّم عمله، ويرتب أوقاته، فلا يغيّر منها شيئاً، ولا يقدّم ولا يؤخّر، فكان من الممكن معرفة الوقت الذي يمّر به من الطريق الفلاني، والوقت الذي ينزل فيه من غرفته في أثناء النهار. وهكذا سائر أوقاته.
كان يؤثر الصمت، فإذا تكلم أوجز، فهو لا يحبّ كثرة الكلام، ولا الثرثرة، ولا التشدّق، لأن في ذلك إضاعة للوقت في غير فائدة، وهو حريص جداً على الوقت الذي هو الحياة.
وما كان الشيخ يحب التكلف والتصنع في أي أمر من الأمور، ولا قصّ القصص الفارغة، وسرد الأخبار التافهة، والحوادث اليومية التي تجري مع سائر الناس.
كان حادّ الذكاء، متوقد الذهن، قويّ الذاكرة، يتذكر بسهولة جميع ما مرّ به من حوادث، وبقي هكذا إلى أن لقي ربّه راضياً مرضياً إن شاء الله.
وكان متواضعاً، لا يرى لنفسه فضلاً على أحد في علم أو خلق، وكان يقول: « التواضع أن ترى نفسك دون كل جليس» ومن شدّة تواضعه، أنه كان لا يصلي إماماً بأحد، ويأتمّ بتلاميذه، ولا يتصدر في المجالس، بل كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، وكثيراً ما كان يجلس قرب باب الغرفة. وكان يقول: « أقرب أبواب الوصول إلى الله: التواضع» و« من رأى نفسه خيراً من أحد، فليس بمتخّلص من الكِبْر» ولهذا لم يكن يمكّن أحداً من تقبيل يده، رغم حرص تلاميذه على تقبيلها. ولا يمكّن أحداً من خدمته، ولم يستعن طوال حياته بأحد، ولا بعصا.
يأخذ نفسه بالعزائم، فلم يمسح على الخفين قط، وكان يكسر الجليد الذي يغطّي بركة داره، ويتوضأ من مائه، ويبالغ في وضوئه.
وكان زاهداً في هذه الدنيا التي أقبلت عليه فعافها وانصرف عنها إلى ما يصلح به آخرته، فقد ترك له أبـوه ثروة تمكنّه من حياة الرفـاه، فزهد بها، كما زهد بالجاه والمنصب والوظيفة الرفيعة.
وكان يتحرج من قبول الهدية، وكان يكافئ عليها بما هو أكبر منها. وكان كريماً جداً، يكرم ضيوفه ويبالغ في إكرامهم، ولا يسأله أحد شيئاً إلا أعطاه، وإذا أحسّ بأحد حاجة ولم يذكرها، انفرد به وأعطاه، وكانت له صدقات مستورة لا يعلمها إلا بعض تلاميذه الذين يستخدمهم في إيصالها إلى مستحقيها.
وكان مع أهله كما قال الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله» يرشدهم برفق ولين، ويأكل مما يشتهون، ويوسّع عليهم، ويلبّي رغباتهم، وإذا غضب لشيء قطّب جبينه، وبيّن رأي الشرع في ذلك الأمر، دون ضرب أو شتم، أو صياح، يصل الأرحام، والأصدقاء والمعارف، وربمّا زار غير المسلمين.
وكان يتودّد إلى الشباب خاصة. كما كان يصوم الدهر ولا يفطر إلا في الأيام التي يحرم صيامها.
وكان يكثر من الصلاة، ومن الذكر، ومن الصلاة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وكان يجمع بين العلم والذكر، يتقرب بهما إلى الله تعالى.
من أبرز صفاته:
اهتمامه بالفقراء والمحتاجين، والعمل لرفع الظلم عنهم، وإنصافهم.. هو يقّدم لهم، ولا يأخذ منهم، وشتان بين من يثري على حسابهم، ومن يعطيهم عطاء من لا يخشى الفقر. وكان يضع أكياس السكر والرز بجانب الباب، ليأخذ المحتاج منها ما يشاء..
كان يزور الفقراء والمساكين والمساجين، يباسطهم، ويأنس بلقائهم، ويطلب منهم الدعاء، وينصحهم، ويزور دور الأيتام، ويمسح رؤوسهم، ويطلب منهم أن يدعو له، ويقدّم لهم الهدايا في الأعياد.
علمه :
حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة، وطائفة كبيرة من المتون في شتى العلوم الشرعية والعربية بلغت عشرين ألف بيت، ثم درس تلك العلوم دراسة تحقيق وتدقيق على والده العلامة الشيخ يوسف، وعلى علماء دمشق، وخاصة العلامة الشيخ أبا الخير الخطيب.
وبعد أن نال حظاً وافراً من تلك العلوم الإسلامية، انجذب بنور قذفه الله في قلبه إلى علم الحديث، فتبحّر فيه، حتى غدا منقطع النظير في حفظ الكثير الكثير منه، بسنده ومتنه، وفي تعدد طرقه ورواياته، وقد حبّب هذه العزلة إلى نفسه، ليخلو إلى الحبيب: علم الحديث، يقضي الليالي معه في غرفته بدار الحديث، التي ما كان يغادرها إلا للنوم، وكان نومه قليلاً.. كان يقرأ، فإذا غلبه النعاس اتكأ برأسه على وسائد، فأغفى ساعتين أو ثلاثاً من الليل، ثم يهبّ إلى وضوئه، ليتهجّد ما شاء الله له أن يتهجد، ثم يجلس إلى كتب الحديث، حتى حفظ الصحيحين بأسانيدهما، وطائفة كبيرة من كتب الأسانيد والسنن.
كان الشيخ مولعاً بالمطالعة منذ كان فتى، وشدّة حبّه للمطالعة جعلته يعتزل الناس، ويؤثر الكتاب على الاختلاط بهم، ينكبّ عليه، ويلتهم ما فيه من ثمرات العقول، يجالسه ويناجيه ويضمّه إلى صدره، فإذا اضطر إلى زيارة ما، اختصرها في بضع دقائق، وربما قضى الزيارة دون أن يجلس، وإذا تكلم أوجز، وربما تكلم بنصف كلمة، وأكملها بإشارة، لأنه يؤثر الصمت على الكلام إلا مضطراً.
وكان معلّم نفسه وأستاذها، يخلو إليها وإلى الكتب الكبيرة، يطالعها، ويفكر فيما يقرأ، ويتأمل، ويحفظ، وقد أوتي ذاكرة عجيبة ساعدته في حفظ الكثير من كتب الحديث والمتون وسواها مما تقع عليه عيناه، وتطوله يده. وكان يشتري الكتب النادرة بأثمان باهظة، حتى بلغ به الأمر أن يشتري كتاباً بخمس مئة دينار ذهبي.
وكانت مطالعاته موزعة بين العلوم الشرعية، والعلوم العربية، والرياضيات، والكيمياء وسواها من العلوم العصرية، وقد وصفه العلامة محمد رشيد رضا بأنه دائرة المعارف. وكان لديه كتب نفسية، مخطوطة ومطبوعة، في الحساب، والهندسة، والجبر، وكتبٌ مترجمة، مما يندر وجودها لدى غيره من العلماء، وفي المكتبات.
تآليفه :
في هذه الخلوة مع نفسه، والتي امتدت سبع سنين، بين الثالثة عشرة والعشرين من عمره المديد المبارك، ألّف كتبه ورسائله، وكتب حواشيه، وقد زادت على أربعين.
تدريسه :
كان يدرّس في دار الحديث، العلوم الرياضية على اختلاف فروعها، مثل عمليات الحساب، ونظريات الهندسة المسطحة والمجسّمة (الفراغيّة) ومعادلات الجبر، كما كان يدرّس الحديث، والتفسير وغيرهما من العلوم الشرعية والعربية، وكان يضع إلى جانب المجلدات الضخمة، عدداً من الأشكال الهندسية، كالكرة، والأسطوانة، والمخروط، والموشور، وسواها من الأدوات.
كما كان يدرّس الكيمياء، ويعدّ فيها بعض المباحث، وفي تجارب الطبيعة، وكان يتمتع بمرونة علمية غريبة في هذا الموضوع.
أما طرائقه في التعليم، فكانت على ثلاثة أشكال، ولكل شكل مكانه:
الأول: يبدأ من بعد طلوع الشمس إلى ما بعد صلاة العصر. كان فيها يقرأ الطالب في الكتاب الذي يدّرسه، وقد يقرأ الشيخ نفسه، وكلما انتهى من قراءة مسألة، عاد إليها الشيخ شارحاً، وموضّحاً، ومقرراً، وحالاً لمشكلاتها، ويناقش الطلاب فيها، حتى إذا انتهى الوقت، أشار الشيخ إليهم لينصرفوا. ومكان هذا الدرس، غرفته في دار الحديث.
الشكل الثاني: هو درسه في المسجد الأموي تحت قبة النسر كل يوم جمعة، من بعد صلاة الجمعة إلى العصر. وهذا الدرس آية الآيات، وأعجوبة الأعاجيب في تنوع موضوعاته، وتشعّب أغراضه، وتسلسل أحاديثه، وغزارة مادته، وجليل فوائده، على حدّ وصف الأستاذ محمد المبارك الذي كان يحضره، كان الشيخ يستفتحه بحديث يسرده بسنده ومتنه، ثم يشرحه، ويبين مرماه وهدفه وما يستنبط منه من الأحكام، وما يتصل به من شتَّى الموضوعات، مستنداً في كل ما يورده من المعاني والأفكار والأحكام، إلى الأحاديث التي يعزوها إلى مراجعها، مع ذكر سندها، ورواتها، وهو في كل ذلك، لا يعتمد على ورقة أو كتاب، مع فصاحة وبلاغة وحسن بيان، فقد كان جهوري الصوت، يملأ صوته فضاء الأموي، وتتردد أصداؤه في جنباته، فيسمعه ويعيه سائر مستمعيه.
وكان الشيخ يختار موضوعات هذا الدرس الأعجوبة، مما له علاقة بأحوال الناس، ومما يشغل بالهم، وتهمّهم معرفته، أو أنه كان يرى وجوب تنبيههم إليه.
الشكل الثالث: يكون في داره الواسعة التي تُفتح لقاصدي درسه من بعد صلاة المغرب، فيدخلها من شاء، ليجلس أنّى شاء، ثم يأتي الشيخ ويجلس إلى جانب الباب، ولا يسمح بقيام أحد لمجيئه، ثم يأمر المعيد بالقراءة، فيقرأ إلى أن يشير إليه الشيخ بالتوقّف، أو تشكل على أحد مشكلة، فيقف ليسمعوا جميعاً حلّ الإشكال، بإيجاز أو إسهاب، وربما أفاض الشيخ في الكلام، وقد تُوجَّه إليه أسئلة كثيرة، فيجيب عليها، وربما أعرض عن بعضها، وخاصة إذا كان خارج الموضوع الذي هو فيه، وربما أجاب بقوله: لا أعلم، وهذا الجواب من أعظم ميزاتـه، ودليل على تواضعه وصراحته.
غرفته :
كانت الغرفة التي يجلس فيها الشيخ، ويستقبل فيها طلابه وبسطاء الناس، وكبار زواره من الولاة والقادة الأتراك المرعبين، كناظم باشا، وجمال باشا (السفاح) ، ومن الأمراء والملوك، كالملك فيصل الأول، ملك سورية، ومن الحكام والجنرالات الفرنسيين المحتلين، من أمثال غورو، وويفان وساراي، وجونفيل، ومن أمثال مندوب البابا في الفاتيكان، وسواهم من كبار الكتّاب، والصحفيين، والشعراء، والعلماء، وطلبة العلم، والوجهاء. وكانت تلك الغرفة صغيرة، ذات رفوف خشبية تكدّست فوقها الكتب العربية والإسلامية.
غرفة صغيرة، ضئيلة النور، مفروشة بالبسط والحصر، وجلود الغنم، وكلها من صنع أبناء دمشق، وسقفها الواطي وقد اصطفت فوقه أعمدة الحور من أشجار غوطة دمشق، وجدرانها بيضاء مصقولة بالجصّ..
مكانته :
احتلّ الشيخ قلوب تلاميذه ومريديه وعارفي علمه وفضله، وعلت مكانته لدى العامة والخاصة من المشايخ والعلماء والوجهاء والحكام في بلاد الشام، حتى إن بعض العامة من أهل دمشق، حين اشتدّ بغي الحكام الأتراك من (الاتحاديين) الظالمين المنحرفين، عرضوا على الشيخ البيعة بالخلافة، والثورة معه على أولئك الظلمة، ولكنّ الشيخ أبى ذلك، وزجرهم ، حفاظاً على دماء المسلمين وخشية الفتنة .
أمّا عند الحكام، فقد تبوّأ مكاناً عليّاً، وكانت له هيبته في نفوسهم جميعاً.. كانوا يقبلون عليه، وكان زاهداً بهم، لا يسعى إليهم، ولا يرغب في زيارتهم إياه، وإذا دعوه ليكرموه اعتذر وأبى، وكان يكاتب الملوك والأمراء والحكام في سائر الأقطار العربية والإسلامية، يحثّهم على العدل، وإحقاق الحق، ويبين لهم سوء العاقبة بترك الشريعة، واتبّاع الأهواء، والظلم.
زهده بالحكام :
دعاه السلطان عبد الحميد لحضور حفلة كبرى تقام في عاصمة الخلافة، وأرسل إليه الصدر الأعظم نائباً عنه ليدعوه، وركب الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) بارجة حربية وجاء إلى بيروت، ومنها إلى دمشق، وذهب بصحبة الوالي إلى غرفة الشيخ ليدعوه، وتلطّف الوالي بالشيخ لقبول الدعوة، ولكنّ الشيخ اعتذر قائلاً للصدر الأعظم والوالي: « يابا ما في إذن» وعاد نائب السلطان خائباً.
وبعد خروج الصدر الأعظم والوالي بساعة، جاء وفد من أهل قرية (الهامة) أرسله رجل صالح يقال له: الشيخ أحمد السوسي، وهو رجل فقير يؤمّ أهل الهامة، ودعا الشيخ إلى الهامة، فلبّى الدعوة فوراً، وخرج مع الوفد.
وتكرر الاعتذار مع السلطان رشاد حين دعاه إلى العاصمة، كما تكرر مع إمبراطور روسيا: القيصر نيقولا.
وكان جمال باشا (السفاح) يهابه، ويحاول استرضاءه، وكان الشيخ يحذره من الظلم ومن التمادي فيه، وعندما أعدم جمال السفاح شهداء أيار، حزن الشيخ حزناً شديداً عليهم، وعافت نفسه الطعام أياماً، وأصيب بحمّى لازمته حوالي أربعين يوماً، وكان إذا صحا سأل من حوله: شنقهم جمال؟ أعدموهم؟ واشتدت عليه الحمَّى حتى خيف على صحته وحياته. وكان يهتم بالمسلمين حيثما كانوا، ويحزن على ما يصيبهم.
وما كان يزور الحكام، وإذا احتاج إليهم في شأن عام، أرسل إليهم رسولاً من تلاميذه، يستقبله الحاكم بالتجلة والاحترام، وينفّذ ما أمر أو أوصى الشيخ بتنفيذه.
اهتمامه بالنساء :
« وممّا يروي عامة الناس في مدينة حلب، من عجيب تأثير الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله تعالى، أنه عندما زار مدينة حلب، ألقى في النساء درساً خاصاً في المسجد الأموي، حضرته ألوف من النساء، فدعاهنّ بقوة إلى نوع من الحجاب، ويبدو أنه ربط بين الحجاب الشرعي، وبين نية المستعمر إخراج المرأة المسلمة عن دينها وحيائها وسترها، فخرج النساء في مدينة حلب في اليوم التالي، يلبسن الملاءات البيضاء السابغة، وكان حجابهن باللون الأسود».
المحرك الأول للثورة :
عاصر الشيخ أواخر العهد العثماني، وشهد الانحرافات والمظالم على أيدي الاتحاديين المشبوهين، وشهد ظروف الحرب العالمية الأولى، وكانت قاسية مريرة، فيها ظلمٌ، وقتلٌ، وفقرٌ، وجوعٌ، فكان يأسى لحالهم، ويسأل عن أسعار أقواتهم، وهمومهم، ويتصل بالحكام ليدفع عنهم ألوان الظلم والقهر.
وعندما قرر الفرنسيون احتلال سورية، أرسل ولده الشيخ تاج الدين، وتلميذه المفتي الشيخ عطا الكسم لقتال الغزاة الفرنسيين في (ميسلون). ولما وصل الجنرال الفرنسي الغاشم (غورو) إلى دمشق، وأراد مقابلة الشيخ، رفض الشيخ مقابلته، وحضّ الناس على عدم دفع الضرائب للفرنسيين، وعدم التعامل معهم، وكان يعلن في دروسه العامة، أن الجهاد صار فرض عين على كل من يستطيع حمل السلاح واستعماله.
ثم قام بجولته المشهورة على المحافظات السورية، بصحبة تلميذه الواعظ النجيب الشيخ علي الدقر، وكان الشيخ يطوف المدن السورية، متنقلاً من بلدة إلى أخرى، حاثاً على الجهاد، وحاضّاً عليه، وكان يقابل المجاهدين، ويغذّيهم بآرائه، وينصح لهم بالخطط الحكيمة، فكان أباً روحياً للثورة والثائرين المجاهدين.
وفاته :
توفي الشيخ صباح يوم الجمعة، الثامن والعشرين من شهر حزيران 1935م ، ونعاه المؤذنون من فوق سائر المآذن الكثيرة في دمشق، كما طار نعيه إلى سائر أنحاء العالم الإسلامي، فبكته دمشق.. رجالها ونساؤها وأطفالها، وتجمعت دمشق أمام بيته، وفي الحارات والطرق والشوارع المحيطة به.
مجلة المنار : العدد 77 ، ذو الحجة ، 1424هـ.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
النبي صلى الله عليه وسلم وفن صناعة الوحدة!

النبي " صلى الله عليه وسلم" وفن صناعة الوحدة!

محمد شعبان أيوب لا نكاد نجد في حضارة من الحضارات السابقة على الإسلام...

الفكر الإصلاحي وفلسفة التاريخ

الفكر الإصلاحي وفلسفة التاريخ

صبحي ودادي علم التاريخ ليس مجرد مطالعات في حوادث الأيام وتاريخ الإنسان،...

نكران الجميل ( بين الفأس والشجرة )

نكران الجميل ( بين الفأس والشجرة )

كانت الفأس قطعة من حديد *  * *وحدها لا تطيق حزاً وقطعـــاً فرأت دوحة:...

جديد الأخبار المزيد
مجلس المنظمات الإسلامية الأمريكية يعلن دعمه للتعديلات الدستورية بتركيا

مجلس المنظمات الإسلامية الأمريكية يعلن دعمه للتعديلات الدستورية بتركيا

أعرب أسامة جمال الأمين العام لمجلس المنظمات الإسلامية الأمريكية،...

المنظمات الدولية تتحدث عن انتهاكات وكوارث في الموصل

المنظمات الدولية تتحدث عن انتهاكات وكوارث في الموصل

أعلنت الأمم المتحدة عن مقتل أكثر من 300 مدني منذ بدء عملية استعادة...

الثوار يتقدمون بمعركة صدى الشام في ريف حماة

الثوار يتقدمون بمعركة "صدى الشام" في ريف حماة

أحرزت فصائل المعارضة تقدما في ريف حماة الشمالي الغربي،...

  • أيام في سيلان والمالديف