• الصليب وحكاياته

الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

May 15 2011 09:09:22

الكاتب : عبدالله الطنطاوي

ما أعظم أن يخلف الرجل العظيم أبناء وحفدة عظماء ، ينهجون نهجه ، ويسيرون على خطاه ، ليرقد في مثواه الأخير على هذه الأرض ، قرير العين ، مطمئناً إلى أن من خلفهم من بنين وبنات ، ومن حفدة وحفيدات ، سوف يكونون كما دعا الله وأحب أن يكونوا ، قدمهم هدايا غالية لأمته ودينه ، وسوف يقدمون إليه هدايا ثمينة تؤنسه مع عمله الصالح في حياته البرزخية ، من علوم ، ودعوات ، وصدقات.
وكذلك كان الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، مع أولاده وحفدته ، وهذا ما سنطالعه في حياة حفيده الشيخ محمد بن إبراهيم ، مفتى الديار السعودية ، ورائد النهضة العلمية والشريعة فيها ، الذي أمضى حياته الحافلة في أعمال الخير.
المولد والنشأة :
ولد الشيخ في مدينة الرياض في السابع عشر من المحرم عام 1311هـ في حي دخنة ، في بيت علم وفضل وزعامة دينية ، وعراقة في العلم والتقوى.
فأبوه الشيخ إبراهيم كان قاضي الرياض ، ومن أكابر علماء المعقول والمنقول في نجد ومشاهيرهم ، ومعروفاً بالذكاء والتقوى والورع والعلم ، وقد لبث في القضاء منذ استقضاه الملك عبد العزيز سنة 1321هـ حتى وفاته سنة 1329هـ.
وعمه الشيخ عبدالله بن عبد اللطيف ، وهو علامة نجد ومفتيها وفقيهها ، وكان الملك عبد العزيز يأتي إليه في داره ، ليسمع درسه ، ويأخذ رأيه ومشورته في بعض القضايا.
وجده الثاني الشيخ عبد الرحمن كان واسع العلم والمعرفة ، وجده الثالث غني عن التعريف.
وكذلك كان بيت جده لأمه ، الشيخ عبد العزيز الهلالي ، أمير عرقة إذ ذاك ، وخاله محمد بن عبد العزيز الهلالي من أدباء عصره وشعراء زمانه ، وقد تولى إمارة عرقة بعد والده.
في هذه البيئة العلمية التقية في عقيدتها وسلوكها ، نشأ الشيخ محمد على الدين والفضيلة والعلم والأخلاق السامية.
تعلمه وعلمه:
نشأ الشيخ محمد محباً للعلم والعلماء ، فمنذ السابعة من عمره بدأ يتلقى القرآن الكريم في كتاب الشيخ عبد الرحمن بن مفيريج تلقي نظر وسماع ، وضبط إتقان ، وحفظه وهو في التاسعة من عمره ، ولما أصيب بفقد بصره وهو في السادسة عشرة من عمره ، أعاد قراءة القرآن العظيم عن ظهر قلب ، وكان حفظه له متقناً.
قرأ العلم على أبيه وعمه الشيخ عبد الله ، وبدأ بالتوحيد ، وأصول العقيدة قراءة حفظ وفهم ، ثم قرأ مختصرات جده الإمام محمد بن عبد الوهاب ، ومختصرات شيخ الإسلام ابن تيمية ، ومختصرات العالم الجليل ابن القيم .. قرأ الوسطية ، والحموية لابن تيمية ، وعني بمختصرات النحو كالآجرومية ، والفرائض كالرحبية ، وحفظ المتون الكثيرة ، وكان حفظ المتن لا يكلفه أكثر من قراءته مرتين أو ثلاث مرات.
ولم يثنه كف بصره عن طلب العلم ، بل تحدى العمى ، وأقبل على العلم يلتهمه التهاماً ، فقرأ على علماء الرياض بعض كتب التفسير ، والحديث الشريف ، قرأ هذين العلمين وأصولهما على الشيخ سعد بن عتيق ، وقرأ علوم اللغة العربية على الشيخ حمد بن فارس ، وقرأ بعض مطولات علم الفرائض والمواريث على والده ، ثم على الشيخ عبدالله بن راشد ، الذي قرأ عليه ألفيه الفرائص ، وعب منه عبا ، وصحب عمه الشيخ اثني عشر عاما ، كان يصحبه إلى بيته بعد صلاة الفجر كل يوم، ليحضر مجالس الدرس والتحصيل ، ثم يمضي سائر يومه في مراجعة ما أخذ من علم مع مشايخه وتلاميذه ، واستمر على ذلك حتى وفاة عمه عام 1339هـ رحمهما الله تعالى.
وكانت هذه المرحلة أحفل المراحل بالعلم ، والتحصيل ، والجهد المتواصل الذي يدل على عظيم صبره ، وشدة جلده ، ودأبه في تحصيل العلوم الشرعية والعربية ، حتى صار ذا علم معتبر في التاريخ والأنساب والفلك وعلوم البلاغة ، أفاد منه علماً غزيراً فقد كان عمه تفرس فيه بوارق النبوغ في العلم والاجتهاد والإصلاح والرئاسة والإفتاء ، فأولاه رعاية حانية ، وعناية فائقة في تلقينه العلم والسلوك والأخلاق ، وحبب إليه معالي الأمور ، والجد نحوها ، وكره إليه سفاسفها ، ليكون قلعة للعلم ، وصرحا للفضيلة ، وسياجاً منيعاً للدين وذويه ، يذود عنه وعنهم بما أوتي من حجج وبراهين.
كان عمه يرجو أن يكون شيخ جيل من العلماء ، وباعث نهضة علمية في شبه الجزيرة العربية ، ولهذا درسه كتب التوحيد ، وأصول الإيمان ، وفضائل الإسلام من تأليف جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، والدلائل (حكم موالاة أهل الشرك) للشيخ سليمان بن عبدالله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ودرس عليه الحديث وعلومه في كتاب بلوغ المرام ، وثلث المنتقى ، ثم على الشيخ سعد بن عتيق الذي قرأ عليه أيضاً ألفيه العراقي في مصطلح الحديث.
ودرس الفقه (زاد المستنقع) وعلوم اللغة العربية على الشيخ حمد بن فارس ، ( الآجرومية ، والملحة ، وقطر الندى ، وألفيه ابن مالك ، وشرح ابن عقيل ) ، كما درس على غيرهم من المشايخ ، وكان كثير المطالعة في العديد من العلوم والمعارف ، مما وسع آفاقه ، فقد كان يتمسك بالمذهب ، ولكنه لا يتعصب له وقد يخرج عليه في بعض المسائل ، وعن بعض مشهوره إلى صحيحه.
وكذلك كان فقد حصل الشيخ الشاب في زمن قصير ، على علم غزير ، وبه تكونت له شخصيته العلمية المتميزة ، بعد جهاد مرير متواصل في سبيل العلم أخذاً وعطاء، فصار أوصلياً ، محدثاً ، مفسراً ، فقيها ، يشد إليه العلماء وطلبة العلم رحالهم ، لينهلوا من معين علمه الذي لا تكدره كثرة الدلاء الناتحة منه.
إجازاته العلمية :
حاز الشيخ محمد على إجازات كثيرة من علماء نجد ومن مشايخ الأقطار الأخرى ، ومن هؤلاء العلماء : الشيخ حسين بن محسن الأنصاري نزيل الهند – (ت1327هـ) وكانت إجازته هذه عن طريق المكاتبة ، لأن الشيخ محمد لم يزر الهند ، ونال هذه الإجازة وهو ابن ستة عشر عاماً.
وأجازه الشيخ عبد الستار الدهلوي في رواية الحديث عنه ، عندما التقاه في حج عام 1348هـ.
وأجازه الدكتور الشيخ محمد تقي الدين الهلالي المغربي- (1311 – 1407هـ) والشيخ سعد بن عتيق ، والشيخ عبدالله العنقري ، وسواهم.
ومؤلفاته :
لقد شغلته مسؤولياته الكثيرة ، وخاصة التدريس والتعليم عن التأليف ، اللهم إلا تأليف الرجال الذين ملأوا المملكة علماً وفضلاً ونوراً.
ومع ذلك ، كتب رسائل وكتباً صغيرة في زكاة العروض ، وحكم التدخين ، والقات ، وغلاء المهور ، والجواب المستقيم ، وتحيكم القوانين ، وكانت فتاواه القيمة التي جمعها تلميذه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في ثلاثة عشر مجلداً ، تبرهن على تضلعه في الفقه ، وعمق نظراته ، وله أيضاً ألف حديث اختارها ووضعها في أبواب ، هي من أحاديث الأحكام ، وهناك نصائحه وردوده الكثيرة في موضوعات شتى ، وهي مطبوعة وموجودة في دار الإفتاء.
وصف العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة مؤلفات الشيخ ، بأنها ( تتميز بالعمق والدقة والشمول ، والاستدلال والجزالة التامة ، وجلها في المشكلات العلمية العويصة ، وبعضها في الردود على من شط عن الجادة).
مع الشعر :
كان الشيخ ذا ذائقة أدبية سليمة ، تطربه القصيدة والأبيات الرصينة والحكيمة ، وكان يحفظ العديد من فرائد القصائد الطويلة.
ثم إنه كان ينظم الشعر في المناسبات السارة والحزينة ، وله شعر لطيف يؤرخ به ميلاد أبنائه وحفدته بحساب الجمل ، وله شعر يلغز به في بعض المسائل العلمية ، يحاجي به الأذكياء من طلبة العلم.
وكان الشيخ يقول : ( لو أردت ألا أتحدث إلا بالشعر لفعلت) وليس هذا بجديد على من سكن نجداً أم الشعر والشعراء ، وحاضنتهم منذ القديم ، حيث العرار والشيخ والقيصوم وعبيرها الذي يملأ خياشيم شعرائها ، فتمتلئ نفوسهم بالشعر. ولكن الشيخ الشاعر ، كان فيما يبدو – يرى في الشعر ما رآه الإمام الشافعي في قوله :
                               ولولا الشعر بالعلماء يزري *** لكنت اليوم أشعر من لبيد
آراؤه :
للشيخ آراؤه السديدة في الكثير من القضايا التي شكلت لديه تجارب حية ، استخلص منها مواقف عقلية وحكيمة لمصلحة الأمة في دينها الذي هو حياتها ومستقبلها.
من تلك الآراء ، أنه يرى أن التأصيل والتقيد في التصرف في الأمور السهلة ، يعطي القدرة على التأصيل والعمل به في الأمور المهمة ، كما كان معه في حياته والعمية والقضائية.
وكان يرى العمل بما عليه جمهور المسلمين ، فأمر أن تكون صلاة التراويح عشرين ركعة والوتر ، أمر بذلك الشيخ إبراهيم بن عبدالله بن عتيق الذي كان قاضياً في إحدى مدن الشمال ، وكان هذا القاضي ، وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز يصليان التراويح إحدى عشرة ركعة مع الوتر ، واستجاب الشيخ إبراهيم لأمر الشيخ الذي كان يحرص على موافقة الجمهور ، والبعد عن مخالفة الجماعة ، ويتضح من هذا أنه كان نافذ الكلمة عند الخاصة والعامة ، ولا يجرؤ أحد أن يشذ عن فتواه ، لأنهم يعرفون أي عالم فقيه هو ، وأنه يحتاط في فتاواه ، ولا يلتزم العلم بالصورة الفقهية إذا أدت إلى نتيجة لا تتفق مع مقاصد الشريعة.
ومع أن الشيخ حنبلي المذهب ، إلا أنه لم يكن يلتزمه دائماً في آرائه الفقهية ، وفتاواه ، بل كان يعتمد من الذهب ما قام به الدليل ، فإذا رأى الدليل في غيره أرجح، قال به من دون حرج أن تردد ، وهذا المسلك شائع في كتبه ورسائله وفتاواه.
وكان – رحمه الله تعالى – يكره الأقوال الشاذة ، وينفر من أصحابها ، والدعاة إليها , والمروجين لها ، ولا يرى مسلكهم هذا يؤدي إلى خير أو رشاد ، ويرى الخير مع الجماعة ، ولم يكن يرى الخروج على المذاهب الأربعة ، ولا يميل إلى الاجتهاد الانفرادي الذي يقع من بعض العلماء في هذه الأيام ، ولهذا سعى إلى إنشاء مجلس هيئة كبار العلماء ليجنب الناس الاجتهاد الفردي ، باجتهاد جماعي يقيهم غائلة الانفراد بالآراء القاصية التي تعدد الفتوى في المسألة الواحدة ، وهذا ما لا يراه الشيخ ، ويكره أن يكون بين العلماء.
صفته :
كان الشيخ موفور القامة ، ممتلئ الإهاب ، متماسك البنية صحة وقوة ونشاطاً ، أسمر اللون ، عظيم الهامة ، من نظر إليه احترمه وهابه.
أخلاقه وشمائله :
كان الشيخ – رحمه الله – سليم القلب ، عفيف اليد واللسان ، يؤثر الصمت ونزر الكلام حتى إذا رآه من لا يعرفه يحسبه عيياً ، لطول صمته ، وحكمته هي التي أسكتته ، وإذا تكلم أوجز.
وكان هذا شأنه حتى في درسه الذي يلقيه في مسجده بين المغرب والعشاء ، وهذا من حسن أخلاقه ، ومراقبته للسانه ، وقد كان الصمت وقلة الكلام من السمات البارزة في حياة السلف ، لا يتكلمون إلا قليلاً وفيما تحته عمل ، فكان كلامهم نزراً موجزاً لا إسهاب فيه ولا إطناب ، حتى في بيان العلم وشرحه.
ومن قرأ كتاب ( فضل علم السلف على علم الخلف) للحافظ ابن رجب الحنبلي ، (وكتاب الصمت) للإمام ابن أبي الدنيا ، وكتاب (الزهد) للإمام أحمد ، وكتاب (الزهد) للإمام هناد بن السري ، يجد الصمت خطيباً ومرشداً في محرابه ، ووجده خلقاً عظيماً تخلق به الأكابر من دون الأصاغر ، أولئك الذين :
                              إذا سكتوا رأيت لهم جمالاً *** وإن نطقوا سمعت لهم عقولا
وكان رحيماً بأهله ، محباً لإخوانه ، ناصحاً لهم ولأولي الأمر ، لا تأخذه في الله لومة لائم من مسؤول ، أو وجيه ، أو قريب أو نسيب ، فالحق ، عنده كما هو عند من يخافون الله ويحترمون أنفسهم ، أحق أن يتبع.
وكان حازماً ، عفيفاً ، لا يطلب شيئاً لنفسه من الملوك والأمراء والولاة ، كل طلباته بأعماله الرسمية.
وكان ذا علم واسع ، وفقه دقيق ، إذا تحدث بعلم حسبته المختص الوحيد فيه ، فإذا فسر مثلاً ، ظننت علمه مقتصراً على التفسير ، لغوصه في أعماقه ، وكذلك سائر العلوم الأخرى التي برع فيها.
وكان قانعاً بما آتاه الله من فضله ، يترفع عما يتزاحم حوله الناس فكسب بذلك هيبة واحتراماً عند ذوي الشأن الذي يرونه يعف عن المال العام ، فلا يتقاضى إلا راتباً واحداً من رئاسة القضاء ، مع أن أعماله الرسمية الأخرى تزيد على عشرة وظائف، ولكنه كان يحتسب الأجر عند الله تعالى.
وكان رقيق القلب ، سخي الدمعة ، شديد المحاسبة لنفسه ، والبكاء والاستغفار لذنوبه ، كان يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر أحواله ، وتصرفاته ، فهو – بأبي هو وأمي وصحابته الكرام قدوته ، لهذا كان كثير الذكر والاستغفار والمناجاة وهو يتهجد في جوف الليل ، ويتلو القرآن العظيم ، في حله وارتحاله ، وهو يتقي الله في سره وعلانيته ، ويتورع عما فيه شبهة ، وكان عظيم الاحتمال والصبر على الشدائد والأذى ، صداعاً بالحق ، ذا مراقبة لربه ، وخشية منه .
وهو شديد الاجتهاد في سبيل الخير ، ذو همة عالية ، وجد فائق ، وإخلاص كامل ، إذا غضب فلله ورسوله ، لا ينتصر لنفسه ، ولا يثأر لذاته ، ويدفع بالتي هي أحسن، فهو سمح النفس ، لا يدل بعلمه ومعلوماته في كل القضايا ، وكثيراً ما يعود إلى الكتب للتثبت ، ولا يرى في هذا عيباً أو نقصاً بل يرى فيه تحرياً وتروياً ومزيد تأمل يفضي إلى الفهم العميق حتى لا يصيب أحداً بجهالة ، فهو يتحرى الحق ويدافع عنه ويحكم شرع الله في سائر أعماله ، ليعصمه من الخطأ والزلل .
يوطئ أكنافه لإخوانه ، ولطلبة العلم ، ويكرمهم ، وحاشا أن يجدوا فيه غلظة ، بل انبساطاً وسروراً وحناناً أبويا ، وكذلك كان لأهله وإخوته بعد وفاة والده عام 1329هـ كان لهم بمثابة الأب الرحيم الحليم ، وجعل من أخيه الشيخ عبد اللطيف مرافقاً له في الذهاب والإياب ، ومعيناً له في تحضير المسائل ، وإعداد الدروس ، فأفاد كل منهما من أخيه ، علماً وفهماً وسلوكاً وذوقاً وديناً.
وكذلك كان مع القضاة ، لطيفاً في موضع اللطف ، قوياً شديداً إذا استدعى الموقف شدة ، يضع الأمور في مواضعها ببصيرة وأناة.
وكان يعطف على القضاة ، ويدافع عنهم ، ويطلب لهم ما يسد حاجاتهم ، ويصلح أحوالهم ، ويرفع شأنهم في نظر الناس مادياً ، ومعنوياً.
كان الشيخ يتبسط مع تلاميذه وموظفيه المباشرين للعمل معه ، كأنه أب أو أخ كبير لهم ، ويروي لهم النكتة ويبتسم ، ويسمعها منهم ويسر ، من دون شطط.
وقد أعطاهم من نفسه القدوة في دأبه على العمل ، فهو لم يتخلف مثلاً في إمامته عن صلاة مكتوبة إلا لسفر أو مرض ، ويرونه يباشر سائر وظائفه ، وهي كثيرة في همة ونشاط ، ويرون حبه للخير ، وتفانيه في خدمة الناس ، وحب الناس له ، فيقتدي العقلاء الصالحون منهم به ، لأنهم يرون قوة شخصيته التي كانت تذوب أمامها الشخصيات الكبيرة ، نتيجة لذلك التكامل في صفاته وشمائله.
وكان الشيخ يكره أن يمدحه الناس ويثنوا عليه ويطروه ، وكان الشيخ ذكياً ألمعياً ، لماحاً ، لا تنطلي عليه الحيل والألاعيب ، وكان يدرك تقدير الوقت بالساعة ، ولا يكاد يخطئ الحقيقة إلا في بضع دقائق ، ولم يستعمل الساعة قط.
وكان الشيخ غيوراً على شؤون المسلمين قضى حياته مجاهداً لخدمة أمته ودينه وفي سبيل الصالح العام للإسلام والمسلمين ، ولو أن علماءنا نهضوا بأدوارهم كما نهض شيخنا الإمام لكن حال المسلمين غير حالهم اليوم.
وظائفه :
شغل الشيخ وظائف كبيرة تعجز عن حملها العصبة القوية من الرجال الأكفياء ، نذكر منها :
(رئاسة القضاء ، الرئاسة العامة لسائر المؤسسات التعليمية في المملكة ، رئاسة دار الإفتاء ، رئاسة المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي ، رئاسة دور الأيتام، رئاسة مؤسسة الدعوة في إفريقيا ، إمام مسجد الشيخ للفروض الخمسة ، خطيب الجامع الكبير ، المشرف العام على ترشيح الأئمة والموظفين الدينيين ، وعلى تعيين الوعاظ والمرشدين ، رئيس المكتبة السعودية العامة التي أنشأها في حي دخنة في الرياض عام 1370هـ).
كما نهض بأعباء النهضة العلمية في أوساط النساء عندما أنشأ لهن المدارس وأشرف على رئاسة تعليم البنات.
وكان الشيخ يستعين بكبار العلماء والإداريين المخلصين في إدارة هذه الأعمال ، ويعمل معهم بروح الفريق ، فنجح ونجحوا في النهوض بها ، لأن الشيخ رحمه الله وأكثر أمثاله – كان يقضي ما لا يقل عن سبع عشرة ساعة يومياً في العمل وخدمة الإسلام والمسلمين ، وبصورة مستمرة دائمة لا تقطعها إجازة ، ولا يحول بينه وبين القيام بها أي تعلة من تعلات الموظفين الآخرين ، وخاصة (الكبار) منهم.
صلته بالملك عبد العزيز :
كان عمه الشيخ عبدالله قد أوصى الملك عبد العزيز بابن أخيه الشيخ محمد ، فهذا الشاب سيكون نابغة ، وسوف يسد مسده بعد وفاته.
وعرف الملك صدق الشيخ عبدالله، وصدق فراسته بابن أخيه الشاب ، وعندما توفي الشيخ عبدالله ، أسند إليه الملك سائر المهمات التي كان ينهض بها عمه ، في التدريس ، والإفتاء ، والإمامة والخطابة ، وأنزله من نفسه منزلة عمه الراحل، وكان في الثامنة والعشرين من العمر ، فقد أحبه الملك ، ووثق به وبعلمه وعقله ودينه وأخلاقه ، وجعله مستشاراً شرعياً له ، يستشيره في تولية القضاة ، ويصغي لآرائه في الأمور الشرعية .
وانتدبه لعلاج غلاة البادية ، فأرسله إلى أهل الغطغط سنة 1345هـ لما غلوا في الدين ، وشددوا فيه تشديداً ليس منه ، فمكث عندهم ستة أشهر ، يبين لهم معاني الكتاب والسنة المطهرة ، ويشرح لهم عبارات رسائل علماء التوحيد والسلفية ، ويدحض شبهاتهم ، ويبطل ادعاءاتهم الغالية ، ويوضح لهم سبيل الحق والرشاد بالحجة القاطعة ، والبيئة الواضحة ، ويحذرهم من الغلو .. لقد صبر عليهم ، وتحمل جفاءهم وخشونتهم ، وما زال بهم حتى عادوا إلى الطريق الصحيح ، وهذا يدل على ثقة الملك بقوة عقل الشيخ وقوة حججه وبراهينه.
وكذلك كانت ثقة الملك فيصل – رحمه الله رحمه واسعة – بالشيخ محمد ، فكان يقربه إليه ، ويصغي لنصائحه الثمينة ، ويعمل بما يقترحه عليه من أمور تصب كلها في الصالح العام ، وليس لشخص الشيخ فيها نصيب ، وعندما توفي الشيخ ، كان الملك فيصل في رأس المشيعين ، وفيهم الأمراء والوزراء والعلماء والوجهاء.
والملك فيصل هو الذي أمر بطبع فتاوى ورسائل الشيخ في مطبعة الدولة بمكة المكرمة.
تدريسه :
كان يجلس لتعليم الصغار عقب صلاة الفجر من كل يوم ، في مسجد عمه الشيخ عبدالله ، فيعلمهم مبادئ النحو في كتاب الآجرومية ، ثم ينتقل إلى الفئة العمرية الوسطى ، فيعلمهم النحو أيضاً في كتاب قطر الندى ، ويترك الصغار لمراجعة ما أخذوه ، فإذا فرغ منهم أقبل عليه كبار الطبلة ليقرئهم ألفية ابن مالك ، وشرح ابن عقيل عليها.
وبعد فراغه من دروس النحو ، ينتقل إلى درس الفقه ، وكان متبحراً فيه ، فالحديث الشريف ، وهو فيهما كشأنه في علم النحو ، يتدرج مع كل فئة حسب مستواها العلمي ، وكلما انتهت حصة ، باشر حصة أخرى ، ثم يعود إلى منزله لأخذ استراحة قصيرة وتناول لقيمات يقمن صلبه ، ثم يعود إلى مجلسه في المسجد ليستأنف عمله في تعليم الكبار في أمهات الكتب ، ثم يستريح قليلاً في بيته المجاور للمسجد ، ويستعد لصلاة الظهر ، فإذا ما قضيت الصلاة عاد إلى مجلسه ، وتحلق حوله طلبة العلم ، يسألونه ويحاورونه في شتى العلوم حتى صلاة المغرب ، وبعد الصلاة يأخذ في علم الفرائض والمواريث ، ثم يلقي درساً في التفسير حتى العشاء التي يؤخرها ريثما ينهي درسه في تفسير الطبري أو ابن كثير.
وهكذا استمر الشيخ في التدريس سنوات طوالاً ، لا يكاد ينقطع عنه إلا لعارض من مرض أو سفر ونحوهما ، وكان طلبة العلم يقصدونه من كل مكان ، لارتشاف العلم من معينه الصافي.
كان هذا قبل أن تناط به الوظائف الكبيرة ، وقبل افتتاح المعاهد والكليات التي كانت بمشورته وبإشرافه ، حتى إننا نستطيع أن نزعم مع القائل : ما من امرئ ذي ثقافة وعلم في المملكة ، إلا وهو شيخه ، أو شيخ شيخه ، أو حسنة من حسناته ، أو وصل إليه أثرة من آثاره ، وقد غدا تلاميذه كبار العلماء في المملكة وكبار فقهائها.
مجالسه :
وصف الشيخ عبد الفتاح أبو غدة مجلسه فقال : ( كان الصمت هو الأصل في مجلسه ، إلا في خير أو علم ، أو أمر بالمعروف أو نهي عن منكر ، يدخل إلى مجلسه الزائر من كبار الأفاضل ، وعلية القوم ، وأنبه العلماء ، فيسلم ويقعد صامتاً بعد التعريف بنفسه ، فكان الشيخ يحييه ، ويتكلم معه كلمات باختصار وإيجاز.
وهيبته دفعت عن مجالسه فضول الفضوليين وأحاديث المستثمرين ، ولا يسمح فيها بغيبة أو نميمة أو تجريح ، فمجالسه منزهة عن هذه النقائص ، فهو ينزّه لسانه وأذنيه عنها ، ويعرف جلساؤه عنه هذا ، فيلتزمونه ولا يقدمون عليه. والشيخ يصغي لمحدثه ، ولكن شخصيته القوية تفرض على محدثه ألا يطيل ).
وفاته :
توفاه الله في الرابع والعشرين من رمضان 1389هـ ، وكان عمره 78 سنة ، ودفن في مقبرة (العود) حيث زحفت حشود ضخمة لتشييعه ، كان على رأسها الملك فيصل طيب الله ثراه.
المراجع :
1- خير الدين الزركلي : الأعلام 5/306-307.
2- عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ : مشاهير علماء نجد : 169-184.
3- عبد الفتاح أبو غدة: تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر : 255-292.
4- عبد الفتاح أبو غدة : العلماء العزاب : 40-41.
5- محمد المجذوب : علماء ومفكرون عرفتهم : 2/ 247- 254.
6- محمد بن عبد الله آل الرشيد : العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية بأقلام بعض تلامذته ومعاصريه.
مجلة المنار ، العدد 71 ، جمادى الآخرة 1424

جديد المقالات المزيد
دور عبد الناصر في حرب يونيو

دور عبد الناصر في حرب يونيو

أحمد عبد المجيد مقدمة: الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله...

الفتح الإسلامي لفلسطين(3 فتح بيت المقدس)

الفتح الإسلامي لفلسطين(3 فتح بيت المقدس)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الحروب الصليبية  حملة الرعاع

الحروب الصليبية .. حملة الرعاع

أحمد تمام شهدت مدينة (كليرومونت) الفرنسية حدثاً خطيراً في (26 من ذي...

جديد الأخبار المزيد
الحراك الشبابي في القدس يفاجيء الفلسطينيين ويقلق إسرائيل

الحراك الشبابي في القدس يفاجيء الفلسطينيين ويقلق إسرائيل

بالنسبة للكثير من الفلسطينيين، فقد شكّل زخم المشاركة الشبابية اللافتة...

وقفة تضامنية كويتية تدعو مجلس الأمن الدولي للدفاع عن الأقصى

وقفة تضامنية كويتية تدعو مجلس الأمن الدولي للدفاع عن "الأقصى"

نظمت تجمعات مدنية وشعبية كويتية، مساء أمس الأحد، وقفة تضامنية لنصرة...

أردوغان: لا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي إزاء ما يجري في الأقصى

أردوغان: لا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي إزاء ما يجري في الأقصى

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الأحد، إن بقاء العالم الإسلامي...

  • أيام في سيلان والمالديف