• الصليب وحكاياته

العطش والخشية في حمّام مغربي

Aug 11 2010 5:07AM

العطش والخشية في حمّام مغربي
العطش والخشية في حمّام مغربي
كنت في تطوان قبل أسابيع - رجب سنة 1431- ونـزلت في دار أخي التطواني الصحراوي عبدالرحيم فضال، الذي أكرمني مراراً، وتعب من أجل راحتي، فجزاه الله عني خيراً، وهكذا هي الأخوة في الإسلام، وهي من الخصائص الخاصة بهذه الأمة التي تميزت بها عن غيرها، فمعنى الأخوة الإسلامية غير موجود في الأمم الأخرى، فيما أعلم والله أعلم.
دعاني الاخ عبد الرحيم إلى الاغتسال في حمام مغربي أعده في سطح داره، ومن المعلوم أن الحمام المقصود هنا ليس هو بيت الخلاء أو مكان قضاء الحاجة إنما هو مكان الاغتسال فقط، وهو الذي كان يدور ذكره على ألسنة الفقهاء؛ فكان بعضهم يكره دخوله لأنه مكان لا يتحرز فيه أكثر العوام من كشف جزء من عوراتهم، وبعضهم كان يكره قراءة القرآن فيه وذكر الله تعالى لأن الحمام مِظنّة وجود بعض النجاسات التي تنفصل عن الأجساد.
والحمام في المغرب يسمى حماماً مغربياً، وفي اليمن يسمى حماماً تركياً، وهكذا الشأن في الشام ومصر وتركيا، وهذه الحمامات قديمة في حواضر الإسلام، وهي دالة على مدى ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية من رفاهية في زمن لم تعرف فيه أوروبا هذه الحمامات ولم تكن قد رأتها أو سمعت بها.
وهذا الحمام المغربي الذي أُدخلت فيه قد عُني به صاحبه أيما عناية، فجعل له أنابيب للمياه الساخنة خلف بلاط جدرانه وتحت بلاط أرضه، فإذا دخلت الحمام شعرت بحرارة تغزو جسدك سريعاً، وهي التي يحتاجها الذي يباشر غسلك في الحمام، وذلك لأن الجسد لا تُزال عنه الأوساخ إلا بعد تعريضه لحرارة شديدة.
فأخذني هذا الحمامي وصار يقلبني ظهراً لبطن، ويقعدني تارة ويمددني أُخرى، ولما لمس بدني أرض الحمام الحارة اعترتني خشية لم أعهدها في نفسي من قبل، وذلك لأني أعاني من قسوة القلب وجمود العين فلا يُكاد قلبي يلين إلا قليلاً، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا من جملة المصائب التي ينبغي أن يحزن من أجلها المرء طويلاً.
الحاصل أن الخشية تملكتني لما شعرت بحرارة الحمام الشديدة، وتذكرت جملة من الآيات المناسبة لهذا المقام التي ذكر الله تعالى فيها عذاب النار، وتذكرت لما صب عليّ الحمّاميّ الماء الحار قول الله تعالى: { ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحَمِيمِ (48) ذُقْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ}  استهزاءً به نسأل الله تعالى العافية؛ وألا يُصب علينا في ذلك اليوم العظيم إلا أنواع النعم واللذائذ.
فقلت في نفسي والماء يُصب عليّ : إني لا أكاد أستطيع تحمل هذا الماء الحار، فكيف بصب الماء الذي بلغ المنتهى في الحرارة، أعوذ بالله من النار.
وتذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المعجز علمياً: "إن النار أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء قاتمة" أعوذ بالله من النار، وتذكرت صياح أهل النار فيها، واستغاثتهم فلا يُغاثون، وقد قال العلماء إن أشد آية على أهل النار هي قول الله تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنَّكُم مَّاكِثُونَ} وذكر العلماء أن أهل النار ينادون مالكاً سنين طويلة فلا يجيبهم، ثم إذا أجابهم فاجأهم بهذه الإجابة التي تقطع منهم كل أمل في الخروج، أعوذ بالله من النار.
ثم أصابني في هذا الحمام العطش، فتذكرت عطش أهل النار، وإذا أغيثوا {مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} أعوذ بالله من النار.
وبقيت على هذه الحالة في ذلك الحمام متذكراً العذاب والعطش حتى فرغ مني الحمامي بعد قرابة 45 دقيقة لا أكتمكم أنها مرت مروراً صعباً طويلاً لم يمر عليّ مثله في أي حمام آخر حتى أنه لما بدأ الحمامي في صب الماء البارد بعد الفراغ من الدّلك والضغط أصابني من السرور والفرح ما الله به عليم.
وها نحن في رمضان يا عباد الله، ويأتي هذه السنة في حمّارة القيظ، واشتداد الحر، ليذكرنا بحر النار وعطش القيامة والموقف، فما أجدرنا بأن نستعيذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن نراجع ما صنعنا في دنيانا، فما وجدنا من خير حمدنا الله عليه، وما وجدنا من شر استغفرنا وتبنا منه، وهذا هو وقت رد المظالم، والخروج من التبعات، والتحلل من الناس، فإن أجسادنا على النار لا تقوى، ولن ينفعنا إلا التوبة والاستغفار والتقوى، بعد فضل الله علينا سبحانه ومنه وكرمه.
ولو أن كل داخل إلى الحمام أصابه ما أصابني من رِقّة عارضة، لصلح حال كثير من المسلمين فإن الداخلين إلى الحمامات في الديار المغربية واليمنية والشامية وغيرها عشرات الملايين، أسأل الله أن يجيرني والقارئين من النار، وألا يرينا إياها إلا تِحلّة القسم الوارد في قوله تعالى {وَإن مِّنكُمْ إلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوْاْ وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف