• الصليب وحكاياته

الفكر القومي العربي .. مفاهيم ينبغي أن تصحح (العلاقات العربية – التركية)

May 31 2011 23:30:40

الكاتب : ربيع فيصل الحافظ

الفكر القومي العربي  مفاهيم ينبغي أن تصحح (العلاقات العربية – التركية)
الفكر القومي العربي .. مفاهيم ينبغي أن تصحح (العلاقات العربية – التركية)
يحتفي التيار القومي العربي منذ بعض الوقت بمحطة رئيسة في مساره هي ثورة يوليو 1952، وازدحم الإعلام بكتابات عنها؛ دوافعها، ومقاصدها، والتحديات التي جابهت المشروع القومي العربي منذ بدايته، ومنها الإرث السياسي والثقافي لحقبة ما قبل الدولة القومية، الذي جاءت الثورة العربية لتتعامل معه، ولتحل مفاهيم جديدة محله، ومن العناوين التي ظهرت وشكلت محاور نقاش هي، دخول الأتراك في الحياة السياسية للعرب ، وتقويض العصور الذهبية العربية، والانعكاسات الثقافية السلبية للحقب التركية.
لم تُضِف الكتابات إلى كراريس الفكر القومي العربي أكثر مما قيل في مطلع وأواسط القرن الماضي، لكنها مناسبة للوقوف عند مفاهيم ـ وإن طواها الزمن ـ إلا أن لطفوها على السطح من جديد مساسا بمستجدات استراتيجية؛ منها العلاقة بالدولة التي أصبحت القوة الإقليمية في المنطقة، ودورها في إخراج الفصل الختامي ،ثم القطيعة بين العرب مع الأتراك في القرن الماضي، في وقت يمران فيه بعرس ثقافي وسياسي، ويبحثان عن استئناف العلاقة التاريخية بعدما ظنا ـ في لحظة ـ كل الظن أن لا تلاقيا.
بعبارة أخرى هي مفاهيم الحقبة التي كانت المزرعة التي نبتت وأينعت فيها المغالطات والمغالطات المضادة، هذه المزرعة ما لم تستصلح تربتها فلن تُخرج إلا نكداً، وستبقى المغالطات ضالة ينبشها المتصيدون في الماء العكر كل حين.
 سبب آخر وهو أن تلك المفاهيم باتت تتقاطع مع مفاهيم حقبة جديدة ظهرت علاماتها الصغرى والكبرى، هي الحقبة الإقليمية، ومن ثم فإن الحكم عليها لا تقرره المدارس الفكرية والقومية، وإنما حسابات المصلحة الإقليمية، وهو ما عليه الحال في الكتل الإقليمية العالمية الرائدة، حيث تطأ المدارس القومية والأحزاب السياسية الوطنية على كبريائها الفكري والقومي من أجل مصلحة إقليمية أو عالمية أوسع، وقدرة على الصمود أمام تحديات تعجز الدول عن الوقوف أمامها منفردة، بل هي تنزع إلى الانتقائية في التعامل مع فصول تاريخها ليستقيم مسارها الإقليمي، وهو ما فعلته أمم أوربا لإقالة تناقضات عن طريق كيانها الإقليمي ، أي أن أوربا تزيح التاريخ ليتمهد أمامها طريقها الإقليمي، ونحن نستدعي التاريخ ليتمهد أمامنا الطريق الإقليمي.
وفي ما يلي محاور نقاش جرى بين لفيف من مثقفين وأكادميين عرب، تناول محطات في تاريخ العلاقات العربية – التركية، وسلط الضوء على جوانب الموضوع.
دخول الأتراك في الحياة السياسية للعرب:
 
دخل الأتراك في الحياة السياسية للعرب ثلاث مرات رئيسة:
 
الدخول الأول:
 
جاء الدخول الأول في أواخر القرن الثاني الهجري بدعوة رسمية من الدولة الإسلامية العربية (العباسية) لمواجهة تغلغل شعوبي فارسي كان قد بلغ مصافات متقدمة وأصعدة مختلفة، كان التغلغل لا يزال متسربلاً بالإسلام، ومثل امتداداً لمشاريع سابقة ـ الانقلاب الخراساني على الدولة الأموية ـ للهيمنة على الدولة الإسلامية، وتمكن من إيقاع النظام السياسي وبلاط الحكم تحت تأثير نظريات السياسة الفارسية ونمط التفكير الفارسي وحِكَم الأكاسرة. 
واجتاحت الدولة العربية الإسلامية (العباسية) موجة من الثورات الشعوبية، الفكرية منها والمسلحة، على امتداد الثلثين الأخيرين من القرن الثاني الهجري والقرن الثالث، كحركة سنباذ 136هـ، وحركة الرواندية 141هـ، وحركة أستاذ سيس 150هـ، وثورة بابك الخرمي 202هـ وهي أخطر الحركات الفارسية المعادية للخلافة العباسية، واستمرت ما يزيد على عشرين عامًا، واتسمت بدقة التنظيم ودهاء القيادة، والاتصال السياسي بالأرمن وغيرهم، ومن مبادئها: الإيمان بالحلول والتناسخ، (ادعى زعيمها بابك الألوهية)، المشاعية المزدكية في الأموال والأعراض، ضرورة التخلص من السلطان العربي والدين الإسلامي، وقد ألحقت العديد من الهزائم بالجيش العباسي، وصاحبها تفش لأدب الزندقة والمجون، وظهور حركة أدبية مزدكية قوية أيقظت الروح القومية الفارسية عند معتنقي الإسلام من الفرس.
أمام هذه الأزمة السيادية اتخذ المعتصم قراراً بتصحيح التوازن الإقليمي، فقرب الأتراك من دائرة صنع القرار، ولم يكن قد مضى على وصولهم من موطنهم الأصلي في أواسط آسيا وقت طويل، وكانوا لا زالوا على هيئة فرق عسكرية، وقد وصف أحد الباحثين الغربيين التحول العميق في المشهد السياسي بالقول:"وكأن القادمين الجدد كانوا على موعد مع القدر، ومع دور شاغر متقدم ينتظرهم".
الحقيقة الأهم في هذا التطور هو أن القرار العربي (العباسي) كان محطة شكلت من الناحية الواقعية ـ إن لم تكن الرسمية ـ بداية نهاية الحقبة العربية في النظام السياسي للحضارة الإسلامية، إذ إن ما تلاها كان نظماً سياسية تبوأت فيها شعوب مسلمة من غير العرب (سلاجقة، شركس، أكراد) مواقع سياسية أمامية بوجود الخليفة العربي (العباسي) وبوجود الراية الإسلامية العربية، واستمرار العرب في أدوار سياسية وفكرية واستشارية من مواقع خلفية ، وحرصت هذه النظم (غير العربية) على رفع العلم العربي (العباسي) كلما فتحوا مصراً أو حرروا أرضاً، كما في الفتوحات السلجوقية، وفي الحروب الأيوبية ضد الصليبيين والعبيديين التي كان يزف الأيوبيون بشائرها إلى الخليفة في بغداد، ويربطون انتصاراتهم به رسمياً، مع إنهم هم أهل الشوكة الحقيقيون وليس الخليفة.
 
في مفترق سياسي لاحق، وبعد زوال الدولة العباسية وشغور العالم الإسلامي من دولة تجمع شظاياه، ترسخت ظاهرة النظم السياسية الإسلامية غير العربية التي تحكم من وراء واجهة عربية، بقيام دول كالمماليك في مصر والشام والحجاز، أعادت الخلافة العباسية على نحو صوري، وحرصت على رفع راية عربية فوق مؤسسة الحكم، وهم شعوب من بلدان مختلفة كتركستان، وشبه جزيرة القرم، والقوقاز، وآسيا الصغرى وبلاد ما وراء النهر.
 
وفي مفترق أخير دخل النظام السياسي الإسلامي غير العربي طوراً جديداً بقيام دول برايات إسلامية جديدة غير عربية ، كالعثمانيين الذين حكموا العالم الإسلامي أكثر من أربعة قرون حتى قيام الدولة العربية القومية.
 
متغيرات صاحبت الدخول التركي:
 
مثّل دخول الأتراك تحولاً عميقاً في طريقة إدارة الدولة الإسلامية، فهم لم يكونوا أهل إدارة ودراية كالفرس الذين استفاد العباسيون من خبراتهم الإدارية، وطغت في ظل الحضور التركي السمة العسكرية على حساب مؤسسات الفكر والرأي في الدولة وكانت تلك بداية لعسكرتها، وهو الأمر الذي عُد انتكاسة سياسية لم يتعافَ منها الكيان السياسي الإسلامي، إلا أن الحضور التركي رغم الإشكاليات المصاحبة شكل بداية مسار جديد، هو مسار أقلمة النظام السياسي في الدولة الإسلامية، بعد أن كان الدور العربي سمة سائدة في الحقبة الأموية.
 
لم تكن بداية الأقلمة مثالية، وشهد التماسّ السياسي العربي ـ التركي مخاضاً صعباً، وتململت مَدَنية بغداد من بداوة العسكر الترك وفظاظتهم، ما دفع المعتصم إلى بناء مدينة سامراء في 221هـ ونقل دوائر الدولة إليها حداً من التماسّ بين الشخصيتين العربية والتركية، لكن المخاض الصعب كان بوابة الدخول إلى قناعة بحتمية الشراكة الإقليمية، وبقناعة وحدة المصير السياسي، لتستمر القناعة ،ويستمر المسار السياسي الإقليمي في النظام السياسي للدولة الإسلامية حتى مطلع القرن العشرين الميلادي ونشوء الدول القومية، حينما انصرف الجميع من تحت سقف الإقليمية الإسلامية، كل صوب مشروعه القومي الخاص به.
 
يمكن القول: إن الأمة صنعت لنفسها في خضم الأزمة الشعوبية خصيصة جديدة ـ سياسية ـ هي "الإقليمية"، وأسبغتها على شخصيتها إلى جانب خصيصة "العالمية" (العقدية)، التي أسبغها عليها القرآن الكريم منذ اليوم الأول ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾. وبذلك ولد مفهوم التكامل السياسي في الحضارة العربية الإسلامية بمدلوله الميداني، بعد أن كان مدلولاً في النطاق القيَمي والروحي، وقامت شراكة إدارة الكيان السياسي بين العرب وغيرهم من الشعوب الإسلامية، ليكون الرقم 1431 الذي بلغه التقويم الهجري في حقيقة أمره جمع جبري لحقب سياسية تسيّدتها شعوب مسلمة، كانت حصتنا نحن العرب منه قرنان اثنان من الزمن.
حقبة جديدة مشتركة:
رب قائل: ولكن هل الحقبة العربية كغيرها من الحقب؟ الجواب، لا، ألم تكن حقبة تأسيس؟ الجواب نعم. ولكن مسار الأمم ليس كله تأسيساً، وإنما تأسيس، وتجديد، وإصلاح، ودفاع، وإنقاذ، والمؤسس ـ في تكوينه ـ غير المدافع، وغير المنقذ، قد يؤوب الدور إلى المؤسس في عهود الانحطاط فيكون إصلاحياً، أو يكون مجدداً نهضوياً كابن تيمية، الذي أعاد رسم المسار الفكري والفقهي في الحقبة المملوكية إثر الأفول العباسي، وابن خلدون في المغرب، واضع علم الاجتماع ونظريات قيام وسقوط الدولة إثر الأفول الأندلسي.
هذا المفهوم يصبح أجوفاً، وتغزوه التناقضات، وينفصم عن خصيصة "العالمية"، ويفترق خطه البياني التنفيذي عن خطه النظري، إذا ما حُمِل على محمل مختلف، والنتيجة حينئذ تسابقٌ بين الشعوب المكونة له للخروج من كيانه السياسي، كل بسهمه الزمني من الرقم 1431، مباهٍ به ومنابز لغيره؛ فهذا زاهد لا يفهم بالسياسة، وذاك سياسي لا يفقه في الدين، وثالث عسكري لا يفهم بالفقه، حتى لا يعود للرقم مغزى، وهو الواقع اليوم، والحقيقة هي أنهم شخصيات ذات خصائص متباينة، تفضُل إحداها على الأخرى بأشياء، وتنقص عنها بأخريات، فهي متكاملة.
بخصيصة "التكامل" هذه يشذ الكيان السياسي للحضارة العربية الإسلامية عن قاعدة التطور والفناء التي تخضع لها الحضارات الأخرى ومحطاتها هي: نشوء، ارتقاء، تلاشي، فناء، فالتطور والنبض ماضيان أبداً في هذه الحضارة، على بقعة ما على الرقعة الجغرافية لشعوبها، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم {الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة} حمالة لهذا المفهوم؛ إذا كبَتْ بقعة نهضت أخرى، كما في كبوة الأندلس وصعود الأناضول العثماني المتزامنتين.
هذا هو الفرق بين الرقم 1431 في التقويم الهجري العربي الإسلامي وبين الرقم 1388 في التقويم الفارسي الحالي، الذي يتخذ من مناسبة عيد النار (النوروز) استهلالاً للسنة الجديدة، ومن أسماء آلهة الفرس والحاشية والملائكة أسماءً لشهوره، فلا تمر يوم الإنسان الفارسي ومناسكه على حوادث الإسلام وشعائره المدونة تحت مسميات التقويم الهجري؛ فلا عشر أوائل، ولا عشر أواخر، ولا أيام بيض، ولا بدر في رمضان، ولا أحد في شوال، ولا فتح للقسطنطينية في جمادى الأول؛ فهو رقم لا يرمز لغير الفرس بمغزى.
وهذا هو الفرق بين الكيان السياسي للحضارة العربية الإسلامية، وبين كيانات يؤسسها وينظّر لها ويسوس لها عرق واحد، وهذه هي نقطة تصادم الفكر القومي العربي مع مفهوم الحضارة العربية الإسلامية، وهذا هو مأزقه السياسي، فالرقعة العربية اليوم رقعة شلل سياسي، والفكر القومي يحرم العرب مناطق النبض التي هي خارج جغرافيتهم لكنها داخل جغرافيا الحضارة العربية الإسلامية، ويستبدل في بحثه عن المخرج منزلقاً بمنزلق، وحفرة بأخرى، ويستجير من الرمضاء بالنار، كمن هو واقع في رمال متحركة لا يزيده حراكه إلا غوصاً، وعند الأزمات الإقليمية لا يجد الكيان السياسي القومي نفسه على علاقة إقليمية متقدمة مع الجوار غير العربي المسلم، ومتأخراً بعقود عن خصمه الذي تمددت شبكته الإقليمية وغزته في عقر داره، وتفاجئه المواقف الصادقة لهذا الجوار، وهو إذ يرحب بها لكنه يعجز عن تفسيرها، وتركيا أقرب مثال.
 
بالإمكان القول: لقد سنّ الحضور التركي في الدولة الإسلامية العربية نمطاً استراتيجياً سارت عليه هذه الدولة ،وأعادت إنتاجه في حقبها المتعاقبة، ليصبح الانتشال الإقليمي محطة يمر منها المسار الأمني للدولة إثر كل كبوة، ولتصبح المعادلة الأمنية كالتالي: انزلاق بمكيدة، ونهوض بانتشال إقليمي، ويمر الانتشال بمراحل رئيسة ثلاثة: انتشال أمني، إصلاح سياسي وثقافي في ظل أمن مشاع، إعادة الدولة إلى طريق النهوض.
 
بقيت هذه المعادلة ركناً في إستراتيجية الدولة الإسلامية على الأرض وفي آيديولوجيتها حتى مطلع القرن العشرين، عندما قوضتها نظرية الأمن القومي، التي قوضتها فيما بعد نظرية الأمن القطري، وفي ظل هذه الأخيرة سقط العراق أمام أمريكا وإيران مجرداً من أي عمق إقليمي.
 
الدخول الثاني:
 
حدث الدخول التركي الثاني في القرن الرابع الهجري، حينما كانت بغداد العباسية تنزف تحت الاحتلال البويهي، مثلما تنزف اليوم، وكانت جدران المساجد المشوهة بشعارات سب الصحابة، وشيوع الخوف، والجوع سمة لهذه الحقبة، في هذه الظروف تلقى القائد السلجوقي "طغرل بك" دعوة رسمية من الخليفة العباسي "القائم بأمر الله" للتدخل ونشر العدل وإصلاح الرعية، فدخل السلاجقة بغداد في عام 447هـ وانتشلوا الدولة الإسلامية (العربية) من حكم البويهيين الذي جاوز القرن، وجددوا من هيبة الخلافة ما كان درس منها.
 
عرفت الحقبة السلجوقية بمدارسها النظامية (نسبة إلى الوزير نظام الملك) التي انتشرت في حواضر العالم الإسلامي ،وقامت بنشر عقيدة أهل السنة وتنقية الأجواء العلمية من الفلسفة والهرطقة والشعوبية. ورافق عمل المدارس النظامية انتعاش علمي في أرجاء الدولة تصح تسميته "الثورة الثقافية الأولى لأهل السنة"، لأثره في تصويب البوصلة الفكرية للدولة والرعية، وكانت المدارس النظامية نمطاً مبكراً لمؤسسات نهضة علمية سار عليه الأيوبيون في مصر في عملية إعادة بناء البنية العلمية للدولة بعد إزالة النظام العبيدي، كما كانت أنموذجاً للإصلاح العلمي في بلاد الشام الذي كان أساسية في عمليات التعبئة العامة للمعركة الفاصلة القادمة مع الصليبيين.
الدخول الثالث:
جاء الدخول الثالث بدخول العثمانيين بغداد في عام 1534م، التي حولها الشاه إسماعيل الصفوي إلى حمام دم، وقتل مئات الألوف من أهلها، وجعل جامع الإمام أبي حنيفة النعمان مربطاً لخيله، فحرروها ودفعوا الصفويين إلى ما وراء سهل وادي الرافدين وفي عمق الهضبة الفارسية، ليبقى المشروع الطائفي الصفوي حبيس جغرافية فارس لأربعة قرون.
فرض العثمانيون على المنطقة العربية هيبة سياسية وعسكرية، وحموا الرقعة العربية الضعيفة والمهيأة للتقسيم من الأطماع الأوربية ـ برتغالية واسبانية ـ ، ووحدوه تحت راية واحدة، ويصح القول: عرقل العثمانيون مشروع سايكس بيكو أربعة قرون، وعرقلوا المشروع الطائفي الفارسي الإقليمي الراهن خمسة قرون، وعرقلوا المشروع الصهيوني نحواً من ستة عقود.
الجانب الاجتماعي:
يحرص الفكر القومي العربي على تقديم الحقبة العثمانية كمرادف لمفهوم الاحتلال والتسلط، ومفردة "عصملي" (أي العثماني) كمرادف للتخلف، حتى إنه ليرتسم في ذهن التلميذ على مقعد الدراسة أن النظام العثماني ما هو سوى ضرب من ضروب الدروشة الدينية، يجلس على رأس هرمه سلطان يعتمر عمامة كبيرة في طرفها ريشة طاووس، لا علم له بما يجري خارج أسوار قصره أو يكترث بأحوال رعيته، ومن أن مجتمع الدولة العثمانية ليس أكثر من كتلة بشرية على رقعة جغرافية تفتقد أبسط النظم الاجتماعية، يحيط بها الجيش الانكشاري. 
هذه الصورة هي غير الصورة التي يحتفظ بها علماء الاجتماع السياسي ومشرّعو القوانين الاجتماعية في الغرب، الذين يعتبرون النظام الاجتماعي العثماني أنموذجاً مبكراً يقاس عليه أداء النظم الاجتماعية في الإمبراطوريات الأخرى ، البون بين الصورتين شاسع، وهو ليس بوناً بين صوابين يتفاوتان بدرجة الصواب، وإنما بون بين صواب وخطأ.
هذا التناقض يضعنا أمام خلاصة علمية ، وهي أن تقويم الفكر القومي العربي للحقبة العثمانية لازال تحكمه الحساسيات والعواطف والبعد عن النهج العلمي، وإلا لن يكون ما يعتبره الفكر القومي تخلفاً، هو النجاح بعينه وصمام أمان المجتمعات المتعددة الأعراق والأديان في نظر الأوربيين.
التفسير العلمي في نظر الأوربيين هو "أن البعد العرقي لم يكن عنصراً يلقى له بال في المجتمع العثماني، قبل أن تفرضه أوربا على الدولة العثمانية"["العثمانيون من منظور مقارن"، كارن باركي]، وكان "نظام الملل" تأطيراً قانونياً لذلك الواقع في مجتمع ضم نحواً من ثمانين عرق ودين ومذهب، وناظماً لحقوق الأقليات، وهو النظام الذي اقتسبه الأوربيون وأسسوا عليه تعدديتهم الثقافية المعاصرة، وهو مادة للبحوث ونيل الشهادات العلمية.
تجدر الإشارة إلى أن "العثمانية" و "العثمانيون" لفظان لا يعنيان تركيا أو الأتراك حصراً، وإنما هي مفاهيم اشتركت في وضعها شعوب الدولة العثمانية من أتراك وعرب وألبان وبوسنيون، وشكلت منظومة إقليمية اجتماعية وسياسية عاشت تحت مظلتها كافة شعوب المنطقة، بل إن لغة الدولة العثمانية كان يقال لها "اللغة العثمانية" وليس التركية، لافتراقها كثيراً عن لهجة أتراك أواسط آسيا، ومثلها الأدب التركي العثماني والثقافة التركية العثمانية، اللذان قيل عنهما أنهما خاصان بأتراك آل عثمان لأنهما مقتبسان من الآداب العربية.
 
حصاد :
بانتصار أوربا على الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وتنفيذ تقسيمات سايكس بيكو، ثم نشوء الدولة العربية الحديثة، بدأت حقبة سياسية عربية جديدة بعد انقطاع 11 قرناً. والنتيجة هي: نظم سياسية من أسوء ما عرفه مسار التاريخ العربي الإسلامي، بل تاريخ الأمم، وهبوط للدولة العربية إلى أدنى درجات سلم التنمية والتعليم بين الأمم، ولم تكتمل تسعة عقود على الحقبة الجديدة حتى سقطت المنطقة العربية من جديد تحت الاحتلال الفارسي المتواطئ مع الاحتلال الأمريكي، وعصفت بها رياح الطائفية والشعوبية، ومزقت مجتمعاتها، وأعادتها إلى ما قبل عصر الدولة، بل إلى ما قبل عصر المجتمع.
هذا ليس تحليلاً يخضع للخطأ والصواب، وإنما بيانات ميدانية، التحليل هو عند الإمعان في أسباب مسلسل انتكاسات امتد قرناً من الزمان ،وشغل حياة ثلاثة أجيال كاملة، وعند محاولة التعرف على أسبابها.
المأزق الذي تجد المنطقة العربية الواقعة جنوب الأناضول نفسها فيه، هو ذات المأزق الذي أحبطه الكيان العثماني مرات ومرات، والذي يمكن اختصاره بـ: دولة مجاورة (إيران) تُغوي قوة خارجية غازية للتدخل الإقليمي، وخلخل استراتيجي إقليمي ناجم تستفيد منه الدولة الغاوية والغازية ، كانت البرتغال وإسبانيا القوتين اللتين واجههما العثمانيون على الأرض العربية وفي مياهها، وبعد جلائهم إلى داخل الأناضول، واجه الأتراك من وراء حدودهم وتحت قبة برلمانهم الجيش الأمريكي المتواطئ مع إيران ومنعوه من غزو الجار العربي انطلاقاً من أرضهم.
إن بين أيدي العرب اليوم بيانات ميدانية لأربعة قرون من التحالف مع الترك، وبيانات لقرن من الافتراق معهم، وهي فترات زمنية كافية لاستيفاء شروط الحكم على علاقة بين أمتين. ويمكن القول وبصيغة الجزم: إن التحالف العربي ـ التركي هو قدر الأمة الذي صحح واقعاً جيوسياسياً كان قائماً في المشرق العربي قبل الفتح الإسلامي يوم كان المشرق حديقة خلفية لفارس، ليتجدد الواقع إثر ردة فارس في الانقلاب الصفوي 900هـ ـ 1500م ونزول الفرس من هضبتهم إلى سهول بلاد الرافدين حيث أطلال الأجداد الساسانيين.
كما يمكن القول وبصيغة الجزم: إن الشخصيتين العربية والتركية شخصيتان متكاملتان، تحالفهما صمام أمن للمنطقة، تنتعش آمال الفرس في كل مرة يصيبه العطب، ويندفعون باتجاه السهول العربية يحدوهم الأمل في إعادة عقارب التاريخ السياسي والطائفي إلى الوراء. على أن اندفاعهم الراهن هو الأقرب على الإطلاق من معادلة ما قبل يوم ذي قار، وتقاسم المنطقة بين محوري الغساسنة (الرومي) والمناذرة (الفارسي)، الحاضر اليوم بلباس معسكري "الممانعة" الموالي لإيران، و"الاعتدال" الموالي لأمريكا.
هذا الصمام ليس في اتجاه واحد لفائدة العرب، فدولة الأتراك يحيط بها من جهاتها الأربعة خصوم بينها وبينهم ملفات لا تسوّيها الابتسامات الديبلوماسية، ولا حليف لهم يتحد معهم في الجذور والمصير ويقبل "بالتكاملية" غير العرب.
هكذا يُقرأ المشهد العربي ـ التركي تحت عدسة الحضارة العربية الإسلامية، وهذه هي حتميات هذه القراءة. إقصاء البعد الديني والتاريخي عن المشهد يضعه تحت العدسة الأخرى الوحيدة، وهي عدسة العولمة، والحتميات حينئذ هي هي، فدولة الأتراك هي العملاق الاقتصادي رقم 16 عالمياً، و 6 أوربياً رغم فقره في الثروات الطبيعية، يجاوره جار يراوح في دركات الفشل الاقتصادي رغم ثرائه الطبيعي، ومن ثم فإن التكامل والتكتل بين عملاق اقتصادي وجار هش اقتصادي هو حتمية ومطلب يفرضه المنطق.
رب سؤال:
هل سوء الأداء السياسي المعاصر لِعَيب في الإنسان العربي، وقد كان مشعل هداية للبشرية، وأقام فردوس الدنيا في الأندلس ومن قبلها في الشام وبغداد وأسس علم الاجتماع؟ الجواب: لا، وإنما في مدى قدرة العربي بتكوينه الاجتماعي ـ كما يقول ابن خلدون ـ على إقامة وإدامة الدول والمجتمعات خارج إطار الإسلام، الذي يسمو بشخصيته إلى ارتفاعات تدنو من المثالية.
فخصال الصحراء التي يحملها في صفاته الوراثية: الكرم حد التبذير، الشجاعة حد التهور، الطيبة حد السذاجة، الانتقام حد الهلاك، قول الصدق ولو على نفسه (كأبي سفيان مع هرقل)، القبول الذهني لكل ما ينسجم في ظاهره مع الفطرة. التفاعل الكيمياوي بين هذه الخصال لا يفرز دهاء وفراسة، ولا يبني شخصية سياسية متيقظة حسنة التدبير ما لم يدخل الإسلام عليها صاقلاً ومتمماً {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق}، لذا ليس الدهاء من خصال العرب، وقد قيل دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد. هذه الشخصية لم تدخل نادي الأمم إلا بعد الإسلام ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾،﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾.
الشخصية العربية المعاصرة التي تقهقرت إلى مرحلة المكارم غير التامة، بل إلى ما دونها، هي التي أمنت الأفاعي فآوتها فلدغتها، كما مع الخميني، والحوثي، وحركة أمل وحزب الله في لبنان، والنصيريين في سوريا، وهي التي بددت مليارات النفط بسَفه منقطع النظير، وأضاعت قرناً من الزمان في نزاعات بسوسية. لا جرم أن هذه الخصال هي خصال شخصية ما قبل الأمة بكل هفواتها، وفشلها السياسي المعاصر تأكيد ميداني على النظرية الخلدونية.
هل هذا قدح بشخصية العربي؟ الجواب لا، بل هو امتداح، فمكارم الأخلاق (غير التامة)، التي اتخذت منها الرسالة الخاتمة قاعدة للشخصية المسلمة إنما وجدت عند العرب دون غيرهم، ومن أجلها اختارهم الله تعالى من دون أهل الأرض لحمل الرسالة.
إن من طبائع الأمم حينما تداعى الخصوم، وتتعقد الأزمات، ويبطئ الحل، أنها تراجع دفاترها القديمة، بحثاً عن حقب تتشابه فيها المعطيات والمعالم، وتنقل ملفاتها من أيدي الساسة إلى أيدي الحكماء، فتحدد مناط العلة خارج دائرة الانتهازية والعاطفة. ومما دونه التاريخ عن القرن الرابع الهجري، الذي يكاد يكون قرننا إعادة إنتاج له بمعطياته وأزماته ورموزه، كانت هذه الشهادات:
·         "قيّضت العناية والحكمة الإلهية حكاماً ومدافعين جدد من القبائل التركية، لنفخ الروح في الإسلام الذي كان يحتضر، وإعادة الوحدة إلى صفوف المسلمين". ابن خلدون.
·         "لقد استراحالمسلمون، بل استراح العالم". المؤرخ الجويني. (تعليقاً على قيام السلطان السلجوقي محمد بنملكشاه بالقضاء على الحشاشين في فارس في القرن الخامس الهجري).
·         "كان مجيء السلاجقة رحمة للمسلمين". حسين مؤنس، المفكر المصري المعاصر.
تتمة هذه الشهادات هي: لن تنجو الشخصية العربية من ذئاب السياسة وهي قاصية من دون رفيق درب تأمنه على نفسها وهذا الرفيق هم الأتراك.
خلل من طرفين:
لابد من الإشارة إلى أن تهالك التحالف العربي ـ التركي ثم انهياره لم يحدث من طرف واحد، صحيح أن البنادق التي صوبت إلى صدور الحامية العثمانية خارج الحرم المكي في فجر ذلك اليوم من صيف عام 1916 كانت طعنة غدر كبرى، لكن اعتبار الحادثة سبباً لكل ما تلا إفراط في التبسيط. صحيح أن الحادثة كانت العمل العسكري الذي أطلق سلسلة انتكاسات عسكرية عثمانية على الجبهة العربية، لكن الانحراف عن المفاهيم العثمانية في الجانب التركي كان قد بلغ مراحل متقدمة جداً، ليصبح هو الوجه الرسمي للدولة بعد الانقلاب القومي الطوراني في عام 1909، وركب حكام الاستانة الجدد العناد حيال قضايا مصيرية وإصلاحات كانت ماسة، ووضعوا أصابعم في آذانهم واستغشوا ثيابهم واستكبروا استكبارا أمام مطالب ونصائح حكماء وعلماء عرب استماتوا للحفاظ على سلامة الدولة العثمانية، وكانت تلك الفترة الأشد فتكاً بالحلف العربي ـ التركي، ارتكبت فيها أخطاء جسيمة بعضها يمكن حمله على ارتباك الأفول الأخير من عمر الدول، لكن الآخر كان محض عمى للبصر والبصيرة، وهدم للذات عن سابق إصرار.
من المهم ـ ونحن نعيد كتابة مفاهيمنا المشتركة ونطوي صفحة ماضية ـ أن لا نترك وراءنا فقاعات تتفجر كل حين لا مغزىً منها، ومن ذلك القول بخلو ساحة الدولة العثمانية من أخطاء مع مكونات المجتمع العثماني ومنهم العرب، وذلك لسببين علميين رئيسيين:
أما الأول، أنها صورة مثالية لا وجود لها في سجلات الدول، وهذه الأخطاء قد وقع مثلها وما هو أكبر منها بين العرب والعرب، وبين الأتراك والأتراك، وهي أخطاء تفسَّر ولا تبرر.
الثاني وهو الأهم وحجر الزاوية في أي تحالف بين أمتين، وهو أن العثمانيين الأتراك ـ والكلام ما قبل انقلاب عام 1909م ـ لم يقعوا في خطأ مع العرب العثمانيين بوازع عرقي أو آيديولوجي، وليس لدى الأتراك آيديولوجية كراهية تجاه العرب، بل إنهم يطلقون على العرب أسم "الأمة النجيبة"، أي الأمة التي أنجبت سيد الأنام، وهو أرفع وسام يمكن أن تحصل عليه أمة. كما ليس لدى الأتراك حنين إلى أدب ما قبل الإسلام، كما عند الفرس الذين يدرّس أدب الكراهية واحتقار العربي في مناهجهم الدراسية كالشاهنامة للفردوسي، وكان العثمانيون يطلقون على العرب اسم "الأمة النجيبة" أي التي أنجبت خير الأنام. وكان أتراك قوميون طورانيون كضياء كوك ألب قد دعوا في ذروة الاحتقان القومي الإسلامي إلى إحياء الأدب التركي قبل الإسلام، لكنه لم يجد في الشعب التركي الحاضنة التي يبحث عنها، فوئدت الفكرة في مهدها.
 خلاصة:
-          دخول الأتراك في الحياة السياسية للعرب لم يحدث في العصور الذهبية، وإنما في أكثرها سوداوية، وفي فترات تفشت فيها الشعوبية والاغتيالات السياسية والهرطقة والفلسفة.
-          رغم الأخطاء، فقد أقدم الأتراك على قرارات مصيرية مع العرب، لا يمكن اعتبارها في حسابات الدول إلا كارثية بحق أنفسهم، كالموقف من بيع فلسطين في العصر العثماني، ومنع الجيش الأمريكي من غزو العراق من الأرض التركية في عصر الجمهورية، فهم بين أخطاء إدارية وتضحيات آيديولوجية.
-          لم تكن الحقب التركية في الحضارة العربية الإسلامية حقب معرفة، بل المعروف أنها حقب عسكرية، والثابت هو أن الحقبة العربية هي حقبة العلوم والمعرفة، والخريطة السياسية للعالم الإسلامي التي بين أيدينا اليوم إنما هي خريطة الفتوحات الإسلامية في الحقبة العربية، وما سواها ارتد عن الإسلام ما خلا جيوباً هنا وهناك.
-          لم يجعل العثمانيون العربية لغة الدولة الرسمية، وكان ذلك خطأً باهظ الثمن، لكن العربية كانت ولا تزال موضع تعظيم عند الأتراك، وقد همّ السلطان سليم بجعلها لغة الدولة الرسمية لكن الحروب مع الصفويين أشغلته عن رغبته.
مفاهيم قومية ونتائج إقليمية: أزمة العمق الإقليمي :
يُصنَّف الفكر القومي ـ بشكل عام ـ بأنه فكر أزمة، يولد في ظرف طارئ، يتحرك بالعاطفة وإثارة المشاعر ويبتعد عن الدقة العلمية، ترتفع أسهمه في المجتمع باحتدام الأزمات وتتراجع بتراجعها، وتلجأ إليه الدول ـ كوسيلة ـ للتعبئة الجماهيرية وتأجيج المشاعر أمام خطر خارجي، ويعتبر في عصر الكتل السياسية عقبة في طريق التكامل الإقليمي بين الشعوب. 
لا يمثل الفكر القومي العربي استثناء لهذه القاعدة، فلم ينهض على حقائق التاريخ وقواعد المنهج العلمي، وإنما كان ردات فعل ومواقف ساعة غضب في حقبة سياسية انتقالية ـ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ـ التهبت فيها العواطف، كان فيها هذا الفكر طارئاً على العقل العربي المسلم، كما حكى مؤسسوه "الذين كانوا في الغالب من النصارى، ولم يمثلوا سواد الشعب.. وكانوا ينظرون إلى الإنكليز والفرنسيين نظرة من يريد الخلاص من حكم العثمانيين .. وغرس هؤلاء بذرة القومية العربية والوطنية وبعثوا حركة مستوحاة من تاريخ العرب ومآثرهم تستهدف مُثلاً قومية بدلاً من المُثل الدينية". (يقظة العرب: جورج أنطونيوس، بيروت 1978، ص 149-150، بتصرف).
كان الفكر القومي العربي يبحث في تلك الوحشة الفكرية عن شرعية سياسية، فوجد في لافتة معاداة العثمانيين ضالته، مثلما وجدت النظم العربي في لافتة معاداة إسرائيل ضالتها في القرن الماضي، ومثلما تجدها إيران اليوم في إسرائيل في وحشتها المذهبية والثقافية مع محيطها المسلم والعربي.
لم تخضع ردات الفعل تلك إلى مراجعات، وعوضاً عن ذلك، تكفل الهوى أو الجهل بالاعتناء بها، وصدرت في مجلدات منمقة، ونحتت منها مناهج تربوية تربت عليها أجيال ثلاثة، وكانت الحصيلة: شخصية عربية غير قابلة للتكامل مع جوار يشترك معها في الدين والتاريخ والمصير، محرومة من عمقها الاستراتيجي في أكثر محطات تاريخها خطورة.
بسقوط جزء كبير من المشرق العربي في عام 2003 تحت الاحتلال الأمريكي ـ الإيراني المباشر، ووقوع أجزائه الأخرى في دائرة النفوذ الإيراني، انكشف للعرب فداحة أزمة العمق الاستراتيجي الإقليمي التي أورثتها لهم دولتهم القومية الزائلة، وحجم التخلف الآيديولوجي عن خصم نضجت رؤيته الإقليمية، وتجاوز بلافتة الدين الفواصل العرقية، وغزاهم في عقر دارهم، وأحكم قبضته على المنطقة كالأخطبوط.
في ظل أزمة العمق الاستراتيجي الإقليمي هذه، وإثر سقوط خط المواجهة الأمامي (العراق) وانتقال المعركة الحربية مع الشعوبية إلى داخل الأرض العربية، أرادت الأحزاب والتنظيمات القومية إعادة تموضعها خارج مدى نيران العدو، فكان اختيارها هو الدولة التي وقفت إلى جانب إيران في الطور الحربي لتصدير الشعوبية (الحرب العراقية ـ الإيرانية)، وكادت قبل ربع قرن من الآن أن تحقق مشهد الاحتلال الإيراني الراهن، بل ما هو أسوء منه، لكونه يومئذ احتلال ينفرد بالمنطقة دون شريك ـ أمريكي ـ يختصم معه على الغنائم، وتقف اليوم إلى جانبها في الطور الناعم كمحطة لوجستية متقدمة لعبور الشباب العربي الذاهب للدراسة في حوزات قم وطهران، أو إلى سوح التدرب على القتال والعودة لإشعال حروب داخلية في ترمي إلى هدم المجتمعات كسبيل لولوج المشروع الطائفي، كما في اليمن والصومال والبحرين، الكويت، المغرب. وهي الدولة التي تآمرت على عروبة لبنان، وأنهت المقاومة الفلسطينة، وتتآمر على الوجه العربي السني لسوريا. في الطرف الآخر، انتقلت قطاعات أخرى في التيار القومي العربي للعمل المباشر تحت المظلة الإيرانية، واتخذت من المؤتمرات التي تنظمها طهران والفضائيات التي تمولها منصة لمخاطبة الإنسان العربي.
إذا ما استثنيت البيئة العربية الممتدة على طول الصدع السياسي الفاصل بين الكتلة العربية والكتلة الفارسية الشعوبية، التي تعيش حالة استنفار دائم من الأطماع الفارسية، لا كثقافة تقرأها في الكتب، وإنما ميراثاً ميدانياً يورّثه الأجداد للأبناء، يعود إلى العصر العثماني، عندما كان أبناؤها رأس الحربة في الجيش العثماني الذي حبس المشروع الشعوبي داخل جغرافية فارس وحفظ الأمن الإقليمي. وإذا ما استثنيت بيئة وسط الجزيرة العربية، التي ظهرت فيها الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد عبد الوهاب، وامتلكت رؤية واضحة تجاه إيران والتشيّع، فإن الداخل العربي ـ بلاد الشام ومصر ـ الذي نشأ في كنف المناخ القوميي يمثل بيئة ثقافية رخوة، تتدنى فيها الرؤية الفكرية حول المشروع الفارسي إلى مستويات تقترب من العدم. وباحتلال العراق وانكشاف الجناح الشرقي للمشرق العربي أصبحت المنطقة الرخوة خط المواجهة الأمامي بما يشبه مواجهة العين للمخرز.
في هذه البيئة وقع الانقلاب الطائفي في سوريا في وقت مبكر، الذي حمل الأقلية النصيرية إلى الحكم، وفيها وقع الاختراق الفارسي للكيان العربي، وأقام رؤوس جسوره وقواعده المتقدمة ومحطات تجنيد الأقلام والحناجر، وما ارتفع صوت يفضح هذا المشروع إلا سفهته الأقلام والحناجر القومية والناصرية وانتصرت للدور الإيراني وصارت حنجرته التي تنفث سمومه بلسان عربي لا لحن فيه.
ومضة أمل:
من الإنصاف القول: يمثل التيار القومي العربي اليوم إحدى ركائز مقاومة المشروع الأمريكي، وتتعالى أصوات في أطيافه إلى استدراك تراكمات من الخلل الاستراتيجي الإقليمي، وإلى وقفة إيجابية مع تحولات الساحة التركية، وتفرّق هذه الأصوات ـ بحكمة ـ بين طبيعة النفوذ الإقليمي الإيراني والنفوذ التركي، وتحذر من عواقب تعثر الثاني.
هذه الأصوات لا يكفيها وقف السجال الفكري العربي ـ التركي وامتداح المواقف التركية، فاندمال الجراح، وهدأة النفوس، وأوبة الثقة، واستشعار الخطر المشترك التي دخل بها العرب والأتراك القرن الواحد والعشرين ـ بخلاف دخولهم القرن العشرين ـ هي خريطة لمعطيات تقتضي آيديولوجية واستراتيجية مختلفتين، وتقتضي من التيار القومي العربي دوراً في عملية البناء الإقليمي التي كان له دور في إعطابه، وذلك في عالم مشرف على تغيرات سياسية عميقة، ودلائل على مصلحة أمريكية في تصويب خلل استراتيجي عمره 14 قرن، أحدثه خروج العرب المسلمين الفاتحين من جزيرتهم وقلب المعادلة الإقليمية (الفارسية ـ الرومية)، ما يجعل التيار القومي العربي ومشتقاته كالتيار الناصري عبءً استراتيجياً حقيقياً على الأمة في معركتها مع المحور الفارسي ـ الرومي العائد، الذي سيكون سمة النصف الأول من القرن الواحد والعشرين على أقل تقدير، مثلما كان النفوذ الأوربي سمة النصف الأول من القرن العشرين.
الأمل هو أن تتوسع رقعة الخطاب الفكري في التيار القومي العربي، فتحركه الغاية ـ التي هي الفكرة ـ ولا تسجنه الوسيلة ـ التي هي اللغة ـ، ولا تخنقه الجغرافيا، وأن تصبح الأصوات الإقليمية في أوساطه هي الأصل وليس الاستثناء، ليغادر هذا الفكر سياقات لم تعد الجماهير ترى فيها مغزىً، ويخرج من إقامة جبرية طويلة فرضتها عليه الجماهير، ويعود لاعباً حليفاً للتيارات الوطنية الأخرى لا نداً لها. بذلك تكون الحرب الثقافية الأهلية المستعرة بين مكونات الشعب منذ نشوء الدولة الحديثة قد وضعت أوزارها، وعرفت الشعوب خصمها، وأبصرت دربها، وانصرفت للتكتل الإقليمي مع من يشترك معها بالتاريخ والمصير، ووضع نفسها على الخريطة السياسية إلى جانب الكبار.
 
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

صقلية حضارة المسلمين المنسية

صقلية حضارة المسلمين المنسية

شريف عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري بدأت القوى العالمية...

جديد الأخبار المزيد
زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

في ظل تهميش بارز للقاعدة السنية بإيران وحرمانها من المشاركة السياسية...

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

أصيب العديد من الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة اليوم، خلال...

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

في سابقة تاريخية، خرج أمس، آلاف العلماء والمناصرين للعلم، في...

  • أيام في سيلان والمالديف