• الصليب وحكاياته

الأزمة التركية العراقية حول حزب العمال الكردستاني

May 31 2011 23:26:28

الكاتب : أورخان محمد علي

الأزمة التركية العراقية حول حزب العمال الكردستاني
الأزمة التركية العراقية حول حزب العمال الكردستاني
منذ أكثر من شهر والأزمة قائمة على الحدود التركية العراقية بسبب تسلل حزب العمال الكردي المعروف اختصاراً ب PKK من شمالي العراق وقيامه بعمليات قتل وتفجير في الأراضي التركية ، ذهب ضحيتها العشرات من الجنود الأتراك ومن السكان المحليين.
ولم يكن في وسع الحكومة التركية التي يرأسها السيد (رجب طيب أردوغان) السكوت على هذه العمليات الإرهابية، لأن من واجب الحكومة الحفاظ على أرواح وممتلكات الشعب.
جذور المشكلة:
تمتد جذور العمليات الإرهابية لهذا الحزب إلى ما قبل أكثر من ربع قرن، فبعد تشكل حزب PKK بقيادة (عبد الله أوجلان) في السبعينيات بدأت حركته المسلحة عام 1984م وهو حزب ماركسي لينيني ملحد، يسعى لفصل القسم الجنوبي الشرقي من تركيا ، حيث يشكل الأكراد أغلبية لإقامة دولة كردية ماركسية، وبعد قيام الجيش التركي بعمليات عسكرية ضده هرب العديد من مسلحيه إلى شمال العراق، مستفيدين من الفراغ الأمني بسبب الاحتلال الأمريكي، فأصبح مسلحوه في الأراضي التركية وفي شمال العراق، وكان على الجيش التركي إجراء عمليات عسكرية في كلا الموقعين، المعلومات الاستخبارية التركية تشير إلى أن عدد مسلحيه في العراق يبلغ 5500 مسلح، وعددهم في تركيا 3500 مسلح.
ظهرت النزعة القومية في أواخر حكم الخلافة العثمانية، وشجعت الدول الاستعمارية القوميات سعياً منها لتفتيت الدولة العثمانية، فمثلاً وجد "لورنس الأكراد" مثلما وجد "لورنس العرب". ولورنس الأكراد هو ضابط المخابرات البريطانية الميجر (إدوارد وليم جارلس نويل) (1886-1974م) أرسل إلى العراق فزار العديد من المدن الكردية في العراق وتركيا ، وكانت وظيفته إثارة الأكراد ضد الدولة العثمانية ، واعداً إياهم بمساعدة إنجلترا لتشكيل دولة خاصة بهم ، وعندما احتل الحلفاء مدينة إسطنبول في الحرب العالمية الأولى عام 1919م شجع الإنجليز الأكراد على تكوين العديد من الجمعيات، ومن الغريب أن اسم إحدى هذه الجمعيات كان (جمعية محبي الإنجليز الكردية) وهم الأعداء الذين كانوا يحتلون البلد ويدوسون على كرامته ومقدساته.
واليوم يعيد التاريخ نفسه إذ يوجد الآن في شمالي العراق "محبي الأمريكان" المحتلين!!
إذن المشكلة قديمة وليست وليدة اليوم، وكانت الحجة القديمة أن الأكراد يثورون لأنهم يطالبون بحقوقهم الثقافية التي حرموا منها أعواماً طويلة وهذا صحيح، فصبغة القومية التركية التي سادت بعد إعلان الجمهورية التركية أدت إلى هذا الجور والظلم، لذا بقيت المنطقة الكردية في تركيا فقيرة ومتأخرة ومحرومة من حقوقها الثقافية ومن الكتابة والتدريس بلغتها، ولكن ينبغي الإشارة إلى أن معظم الأكراد اختاروا الطريق السلمي والديمقراطي عند المطالبة بحقوقهم ، علماً بأنهم احتلوا مناصب رفيعة في البلد، فكان منهم الوزراء ورؤساء الوزراء ، بل حتى رئيس الجمهورية، إذ وصل إلى منصب رئيس الجمهورية منهم اثنان هم (عصمت إينونو) رفيق مصطفى كمال، و(تورجوت أوزال).
الحركة المسلحة التي قادها حزب PKK منذ ربع قرن تقريباً كلفت تركيا 35 ألف قتيل و300 مليار دولار، وهذا مبلغ ضخم لبلد مثل تركيا، ولو وظف هذا المبلغ على مشاريع البناء والتصنيع لازدهرت البلاد.
وقد تنبهت حكومة السيد رجب طيب أردوغان إلى بقاء هذه المشكلة دون حل، فهي أولاً: تزرع العداء بين أفراد الشعب، وثانياً: تهدد بالانفصال، وثالثاً: تستنزف موارد البلد، لذا فقد سعى السيد أردوغان عندما جاء إلى الحكم إلى حل هذه المشكلة، وهو يعلم علم اليقين بأن العمليات العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء هذه المشكلة ؛ لأن هذه الحركة تتبع أسلوب حرب العصابات، أي أسلوب: (اضرب واهرب). والمناطق الجبلية الوعرة جداً في المنطقة الكردية في تركيا وفي شمالي العراق تساعد على حرب العصابات هذه، وتصعب مطاردة الجيش النظامي لهذه العصابات؛ لذا يجب حل المشكلة من جذورها، أي حل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لها ، وانطلاقاًً من هذه النظرة قام السيد أردوغان وحكومته بخطوات منها:
1 - سن القوانين التي تعطي الحق للأكراد بالتحدث باللغة الكردية ، وإصدار الكتب والمجلات والجرائد، واستعمالها في القنوات التلفزيونية ، وفتح دورات لتدريسها وتعليمها.
2 - بدأ حملة عمرانية في المنطقة الكردية التي كانت مهملة ، وفي ظرف 5 سنوات تم صرف 8 مليار دولار لتعمير هذه المنطقة، وجمع رجال الأعمال ولا سيما الأكراد منهم ودعاهم إلى إنشاء مشاريعهم الاقتصادية ومعاملهم في هذه المنطقة، وتعهد بإعطاء قطع أراض لهم دون مقابل، وعدم أخذ الضرائب منهم لمدة 5-10سنوات كتشجيع، لكن معظمهم رفض مبادرة الحكومة، لأن حزب PKK كان يغتال المهندسين وسائقي الآليات ويحرق الآليات.
 ولما كان رأس المال جباناً لم يقدم العديدون على إنشاء المشاريع هناك ، أي أن PKK أصبح العائق الوحيد أمام رفاهية الشعب الكردي في تلك المنطقة ، لذا بقيت المشاريع حكومية فقط، ولو انضمت الشركات الأهلية إلى هذه الحملة لأنجز الشيء الكثير لمصلحة الشعب الكردي ، وحسب الخطة الموضوعة من قبل الحكومة لن تبقى هناك قرية (كردية كانت أم تركية) إلا ويصلها الماء والكهرباء والطرق المعبدة في نهاية سنة 2007م. وفعلاً أنجزت الحكومة أكثر من 90% من هذه الخطة التي بدأت تنفيذها منذ ثلاث سنوات تقريباً.
3 - قامت الحكومة بتزويد الفقراء من أهالي هذه المنطقة التي تنخفض درجة الحرارة في بعض أجزائها إلى ثلاثين تحت الصفر بالفحم للتدفئة دون مقابل، كما زودت جميع طلاب المدارس بالكتب والقرطاسية مجاناًً.
4 - فتحت الأبواب لتشكيل أحزاب كردية للعمل بالطرق السلمية والديمقراطية ، وتشارك في الانتخابات المحلية، وكذلك في الانتخابات النيابية العامة ، وكانت النتيجة اختيار العشرات من رؤساء البلديات والمئات من المختارين من الأكراد ، كما فاز من حزب المجتمع الديمقراطي DTP وهو الجناح السياسي لحزب PKK  23 نائباً.
5- لم يعد التعصب القومي موجوداً في هذه الحكومة التي لها جذور إسلامية قوية كما هو معروف لدى الجميع ، وللأكراد أكثر من مائة نائب في البرلمان التركي المكوّن من(540) نائباً ، وفي الوزارة الحالية أيضاً. كما يحتلون أرفع المراتب في جميع المؤسسات الحكومية ، سواء في الجامعات أو المحاكم أو الوزارات ، ويتم التعيين حسب الكفاءة ، وليس حسب القومية.
6 - أصدر حزب العدالة والتنمية في السنوات الثلاث الأخيرة قانونين للعفو عن أعضاء PKK، كان أحدهما "قانون العودة " والآخر تحت اسم "قانون الندم". ولم يستثن من العفو إلا المتورطين منهم في جرائم القتل، ونتيجة للقانون الأخير سلم 350 فرداً من هذا الحزب أنفسهم للحكومة، وعادوا إلى حياتهم الاعتيادية ، والحكومة الحالية بصدد إصدار قانون ثالث ، وتتوقع الحكومة نجاحاً أكثر لهذا القانون من سابقيه؛ لأن الظروف تغيرت، والحزب الآن معزول شعبياً وسياسياً من جميع الأطراف.
إذن فما الداعي للقيام بعمليات إرهابية من تفجيرات وقتل وخطف؟ ما الداعي إن كان الطريق السلمي للمطالبة بالحقوق مفتوحاً على مصراعيه؟ ولا سيما أن ما طالب به الزعماء الأكراد حول الحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية قد تحقق ، وصدرت حوله القوانين اللازمة.
ولمحاولة فهم العوامل الكامنة وراء هذا الأمر نرى أنه يمكن اختصارها في عاملين:
1 - عامل في المدى القريب.
2 - عامل في المدى البعيد.
أما عامل المدى القريب فهو أن حزب PKK أدرك بأن البساط قد سحب من تحت أقدامه بعد مجيء حزب العدالة والتنمية وقيامه بالإصلاحات الأخيرة والحقوق التي أعطاها للأكراد، وكذلك الإصلاحات الاقتصادية والمشاريع التي بدأت في المناطق الكردية الفقيرة، كل هذه الأمور كسبت قلوب الأكراد لصالح حزب العدالة والتنمية، وقد انعكس هذا بوضوح في الانتخابات العامة الأخيرة ، حيث نال هذا الحزب النسبة العظمى من أصوات الأكراد متفوقاً على PKK الذي دخل هذه الانتخابات تحت اسم حزب المجتمع الديمقراطي DTP الذي لم يحصل إلا على 23 مقعداً في المجلس النيابي، بينما بلغ عدد النواب الأكراد في حزب العدالة والتنمية 75 نائباً.
إذن من يمثل الشعب الكردي في الحقيقة؟ هل يمثله حزب PKK الماركسي أم حزب العدالة والتنمية؟
لقد أدرك حزبPKK هذا الخطر الداهم الذي أحدق به ، والذي بدأ يهدد كيانه وبقاءه لأن كل حزب سري وإرهابي يجب أن يتوافر له شرطان أساسيان لكي يستمر في نشاطه:
1 - دولة أو دول تموّله.
2 - أنصار من الأهالي يقدمون لأفراده الملاجئ والمخابئ بعد كل عملية.
بالنسبة للدول فهناك دول تمول هذه الحركة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" وبعض المؤسسات المدنية في أوروبا، كما أن هذا الحزب يحصل على أموال طائلة من تجارة المخدرات وتجارة الأسلحة، ولا سيما تجارة الأسلحة المتوافرة الآن بكثرة في شمال العراق بعد الغزو الأمريكي؛ لذا فقد اهتمت الحكومة التركية الحالية بمكافحة تجارة المخدرات ، ونجحت في القبض على المئات من المتورطين فيها ، فكانت ضربة قاصمة لأهم مصدر لتمويل هذا الحزب.
خسارة القاعدة الشعبية ومصادر التمويل دفعت PKK بعد الانتخابات الأخيرة للقيام بموجة من العمليات الإرهابية كان أكثرها قرب الحدود العراقية التركية ؛ ما يؤكد تسلل أفراده من شمالي العراق إلى تركيا ثم عودتهم إليه، وكانت الغاية تتمثل في إحراج حكومة أردوغان وإظهارها عاجزة أمام الشعب أولاً، ودفعها إلى حملة من الاعتقالات ضد الأكراد لكي يكون هناك رد فعل قوي يعيد إلى هذا الحزب بعض قاعدته الشعبية التي خسرها، ويؤجج مرة أخرى الشعور القومي الكردي ، ولترويع رجال الأعمال وإيقاف مشاريعهم؛ لأن زيادة رفاهية تلك المنطقة ستكون عاملاً مهماً في ميل الشعب الكردي نحو جانب الحكومة، وإلى تخفيض نسبة البطالة بين الشباب ؛ علماً بأن البطالة من أهم العوامل التي تدفع الشباب إلى الانضمام لهذا الحزب الذي يتكفل عادة بمعيشتهم ، ويقدم لهم المعونة الاقتصادية، كما أن رؤساء البلديات المنتسبين لهذا الحزب (الذين جاؤوا إلى مناصبهم بالانتخابات المحلية) يقومون بتوظيف أفراد عوائل وأقارب الذين ينخرطون في الحزب.
العامل الآخر الذي أدى إلى انحسار التأييد الشعبي لPKK هو تنامي الصحوة الإسلامية في تركيا ومن ضمنها المنطقة الكردية ، وكلما حل الفكر الإسلامي في منطقة تراجعت الأفكار الأخرى أمامه ، ومنها الفكر القومي العنصري، ولحركة (طلاب النور) نشاط ملحوظ في هذه المنطقة؛ لذا فقد اشتكى زعماء PKK من هذا النشاط ، ودعوا المؤسسة العسكرية إلى القضاء على "النشاط الرجعي" في هذه المنطقة ، قائلين : إنهم في صف واحد مع المؤسسة العسكرية للقضاء على الرجعية وتقوية العلمانية، وأن على العسكر أن يعرفوا أنهم معهم في هذا الأمر.
والغريب أن حزب PKK قدم نفسه للأكراد كحزب ماركسي وكحزب قومي، ولا يدري أحد كيف يجتمع النقيضان الفكريان في حزب واحد، فالفكر الماركسي فكر أممي ولا يعترف بالفكر أو التوجهات القومية، والماركسيون في جميع أنحاء العالم يحاربون الفكر القومي ويصفونه بأنه فكر ضيق ومتحجر، ولم يكن معظم الشعب الكردي يعرف أن هذا الحزب حزب ماركسي إلحادي، وعندما بدأ يعرف بدأ ينفضّ عنه، لأن الشعب الكردي شعب مسلم متمسك بدينه.
أما العامل في المدى البعيد فنود أن نؤكد أولاً على أن أي تحليل لما يجري في الشرق الأوسط سيكون تحليلاً ناقصاً إن لم يؤخذ عامل "إسرائيل" بالاعتبار، أما في هذه المسألة فعامل "إسرائيل" واضح جداً لأن "إسرائيل" تسعى مع الولايات المتحدة الأمريكية لشرق أوسط جديد ، أي لتغير الحدود الحالية للمنطقة ورسم حدود جديدة لها، والورقة الكردية ورقة ثمينة جداً في يد "إسرائيل" إذ بها تستطيع "إسرائيل" إضعاف العراق وإيران وسورية وتركيا، وبذلك تضرب عصفورين بحجر واحد، قد يسأل سائل: يمكن فهم محاولة "إسرائيل" إضعاف أعدائها (العراق، سورية، إيران) ولكن ما الداعي لإضعاف تركيا وهي دولة لها علاقات جيدة معها ومع أمريكا التي تعد حليفاً لتركيا منذ أكثر من خمسين عاماً؟
الجواب: الدول تخطط لخمسين سنة أو أكثر، أمريكا و"إسرائيل" تريدان أن تكون "إسرائيل" هي اللاعب الرئيس في الشرق الأوسط.
والدول المنافسة لها في هذه المنطقة ثلاث دول هي (إيران وتركيا ومصر)، أما مصر فقد انسحبت من الميدان وتقوقعت على نفسها؛ لذا فإن "إسرائيل" (ومعها الولايات المتحدة الأمريكية) تؤيدان إقامة دولة كردية في شمالي العراق، أي تجزئة العراق، ومن مصلحتهما ظهور حركة كردية انفصالية في إيران وفي تركيا؛ لأن مثل هذه الحركة تستنزف موارد هاتين الدولتين المنافستين لها وتضعفهما. وهذا هو السبب في أن "إسرائيل" قامت بتدريب البيشمركة في شمالي العراق، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تمول وتسلح وتدرب حزب PJAK وهو حزب كردي انفصالي في إيران، كما سلحت حزب PKK منذ سنوات، حتى إن رئيس أركان الجيش التركي الأسبق "دوغان كونش" صرح مرة بأنه يملك أدلة قوية على قيام أمريكا بمساعدة PKK، فهذا الحزب ضروري في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي تخطط له الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" . والغريب أن الجيش التركي كان يجد (بجانب الذين يقتلهم من الإرهابيين من PKK في المناوشات المسلحة أو يأسرهم) يجد أن أسلحتهم أمريكية الصنع، وعندما طلبت تركيا من الولايات المتحدة الأمريكية تفسيراً لهذا الأمر كان المبرر الأمريكي هو: لقد فقدنا (190) ألف قطعة سلاح في العراق، لذا قد تكون هذه الأسلحة قد سربت إلى أيدي هذا الحزب، أيعقل هذا؟! هل الأمور فوضوية إلى هذه الدرجة في جيش أكبر دولة حالياً؟!!
منذ مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا والحكومة التركية تتصل بالحكومة العراقية وكذلك بالولايات المتحدة الأمريكية طالبة منهما القيام بمنع تسلل أفراد PKK من العراق إلى تركيا، فلم تجد منهما غير التسويف والمماطلة.
صحيح أن الحكومة العراقية معذورة حالياً لأنها لا تستطيع المحافظة على الأمن في بغداد وفي المحافظات الأخرى فكيف تستطيع المحافظة على حدودها؟ ولكن أمريكا ليست معذورة فهي المسئولة عن أمن حدود العراق حالياً، لذا قدمت تركيا إليهما المقترح التالي: (إما أن تقوموا أنتم بهذا الأمر، أو دعونا نحن نقوم به، أو نقوم به مشاركة).
مطالب تركيا تحديداًً هي:
1 - قطع جميع الإمدادات عن أفراد هذا الحزب الذي يملك معسكرات عديدة في العراق ( منها معسكرات جبل قنديل، ومعسكرات الزاب وغيرهما).
2 - تخريب قواعده في العراق.
3 - القبض على زعمائه وتسليمهم إلى تركيا.
ولكن لم تتلق سوى كلمات المماطلة والتسويف كانت الحكومة العراقية (وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية) تعتقدان بأن تركيا لن تجرؤ على القيام بحركة عسكرية في شمالي العراق خوفاً من التورط بمجابهة مع الجيش الأمريكي هناك.
ولكن عندما بلغ السيل الزبى ويئس السيد رجب طيب أردوغان منهما أنذر كلاً من حكومة العراق والولايات المتحدة بأنهما إن لم يقوما بهذا الأمر فسيقوم به الجيش التركي وعمل ما يلزم مهما كلفه الأمر ، وقال : إنه لا يتردد عن هذا وإن كان الثمن الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية في العراق.
كان إنذاراً قوياً وغير متوقع من أحد في العراق أو أمريكا، وشفع إنذاره هذا بطلب من المجلس التركي إعطاء حكومته الإذن للقيام بالعمليات خارج الحدود التركية، وجاء الإذن بأغلبية لم تحصل حتى الآن في هذا المجلس، إذ حصل على 517 صوتاً من مجموع 524 صوتاً (كان هناك بعض النواب خارج تركيا، كما أن 19 نائباً من حزب PKK الذي يملك 23 نائباً صوتوا ضد القرار). ثم خطا الخطوة التالية فحشد أكثر من مائة ألف جندي على الحدود التركية العراقية.
عرف الجميع بأن الأمر جدٌ لا هزل فيه، فسارع العديد من المسؤولين العراقيين والأمريكيين إلى أنقرة طالبين إعطاءهم مهلة ، واتصلت وزيرة الخارجية الأمريكية رايس بالسيد أردوغان طالبة مهلة قصيرة.
حجج واهية.. لا تصمد أمام الحقيقة :
1- أنهم لا يساعدون حزب العمال الكردستاني PKK ولكنهم لا يستطيعون الوصول إلى قمم الجبال الوعرة التي يتحصن في كهوفها مقاتلوه، ولذا لا يستطيعون تلبية مطالب تركيا؛ لأن تركيا مع جيشها القوي لا تستطيع الوصول إلى هذه المقرات الوعرة حتى في تركيا.
2 - أن العمليات العسكرية لا تشكل حلاً لهذه المشكلة التي أساسها حرمان الأكراد من حقوقهم الاجتماعية والثقافية، وأن حل هذه المشكلة بإزالة الحيف عن أكراد تركيا، وان أفراد PKK ليسوا إرهابيين، بل هم ثوار يطالبون بهذه الحقوق المهضومة.
3 - أن تركيا تريد في الحقيقة القضاء على "التجربة الديمقراطية"!! في شمالي العراق وليس موضوع PKK إلا حجة لاجتياح شمالي العراق والقضاء على هذه التجربة، لذا فإنهم سيقاومون أي اجتياح لهذه المنطقة.
والمتأمل لهذه الحجج يراها حججاً واهية لا تصمد أمام الحقائق على الأرض، ومنها:
1 - عدم قدرة حكومة الإقليم على الوصول للجبال الوعرة: إن هذه الحكومة ساعدت هذا الحزب فعلاً، إذ إن لهم مكاتب علنية في معظم المدن الشمالية (أربيل، دهوك، السليمانية، كركوك... إلخ) وبعد أن احتجت تركيا لدى الحكومة العراقية المركزية قبل أعوام قام هذا الحزب بفتح مكاتب له تحت اسم آخر هو (حزب الحل الديمقراطي) يمارسون جميع نشاطاتهم تحت هذا الاسم الجديد، وقد دخل مراسلو بعض قنوات التلفزيون التركية لهذه المكاتب فإذا بصور "عبد الله أوجلان" وحده موجودة دون صور الزعماء الأكراد الآخرين مثل (الملا مصطفى البرزاني أو مسعود برزاني أو جلال الطالباني) بالإضافة إلى علم PKK إذن فمساعدة الحكومة الإقليمية كانت موجودة بشكل واضح، والغريب أن حكومة البرزاني كذبت تصريح رئيس الوزراء العراقي المالكي الذي طلب من البرزاني غلق مقرات ومكاتب هذا الحزب وقالت: إن رئيس الوزراء متوهم إذ لا توجد مثل هذه المكاتب والمقرات في منطقتهم ، ثم عادت وأغلقت هذه المكاتب أي اعترفت بوجود هذه المكاتب.
ثم إن هذه الحكومة الإقليمية كانت تضع مستشفياتها في خدمة هؤلاء؛ حيث يتم علاج زعماء PKK فيها، وكانت المخابرات التركية على علم بهذا.
أمر آخر: الحكومة الإقليمية كانت تستقبل الآتين إليها من الخارج من زعماء هذا الحزب في مطاراتها جهاراًًً نهاراً. فمثلاً سافر "رضا آلتون" وهو من كبار زعماء PKK من فيينا إلى أربيل بالطائرة ، وقامت الحكومة التركية بإخبار حكومة البرزاني بهذا طالبة منها تسليمه إلى تركيا ولكنها لم تفعل، وتم استقباله في المطار.
والحقيقة أنه لتضييق الخناق على عناصر PKK المتمركزين في قواعد لهم في جبل قنديل ومعسكرات الزاب لم يطلب أحد منها تعقبهم في تلك الجبال الوعرة، وإنما كان يكفي (مثلما اقترح السفير الأمريكي في بغداد على الحكومة العراقية المركزية وعلى الحكومة الإقليمية في شمالي العراق) قطع الطرق الواصلة إلى هذه المعسكرات، فأفراد PKK الذين يبلغ عددهم 5500 فرد يجب أن يصلهم الطعام والشراب والأسلحة والأدوية... إلخ من الحاجات الضرورية، فإن تم قطع الطرق المؤدية إلى معسكراتهم اضطروا إلى الاستسلام وكان التموين يجري سابقاً بعلم حكومة البرزاني وموافقتها، وهذا معناه أن الحكومة الإقليمية مشاركة بدعم الاعتداء على تركيا.
2 - الحجة الثانية: إعطاء الأكراد حقوقهم الاجتماعية والثقافية والسياسية ، هذه الحجة أيضاً واهية وقديمة، ولم تعد قائمة اليوم؛ فمنذ خمس سنوات وحكومة أردوغان تغير العديد من القوانين وتعطي حقوقاًً أكثر للأكراد، وهم موجودون في المجلس النيابي التركي الآن ، إذن فإن كان الطريق السلمي والديمقراطي موجوداً فما الحاجة إلى حزب ماركسي ولينيني يحمل السلاح ، وينشر الإرهاب ويقتل الأبرياء؟
ولكن القول بأن "الحل العسكري لا يشكل حلاً لهذه المشكلة" هذا القول لا يمثل كل الحقيقة ، صحيح أن العمليات العسكرية لا تحل المشكلة 100% ولكن إن أدت إلى حل المشكلة 30% أو 20% فيجب ألا يتم التخلي عن هذا الخيار تماماًً؛ إذ لا يوجد عقوبة في جميع قوانين العالم أدت إلى حل المشكلة التي وضعت من أجلها 100% ولكن هذا لا يعني عدم إيقاع تلك العقوبة، كذلك الأمر في موضوع العمليات العسكرية ضد PKK فإنها وإن لم تقض على هذه العمليات الإرهابية إلا أنها ستضعف هذا الحزب الإرهابي ، وهذا وحده يكفي لتبرير هذه العمليات العسكرية، وقد تسببت العمليات العسكرية التركية السابقة بإضعاف هذا الحزب لسنوات عديدة ، ولولاها لكان الحزب في وضع أقوى الآن.
3 - الحجة الثالثة: تركيا تريد القضاء على التجربة الديمقراطية في شمال العراق، هذه الحجة واضحة البطلان للأسباب الآتية:
أولاً: تركيا هي التي مهدت أصلاً لظهور هذه الحكومة عندما سمحت للطائرات الأمريكية المنطلقة من قاعدة "أنجيرلك" التركية وحافظت على أمن المنطقة الشمالية من بطش صدام حسين، ولو شاءت لمنعت هذه الطائرات من الانطلاق من قواعدها، مثلما منعت القوات الأمريكية من الدخول إلى شمالي العراق من أراضيها في أثناء العدوان الأمريكي على العراق.
ثانياً: تركيا هي التي زودت جلال الطالباني ومسعود البرزاني بالجواز الدبلوماسي الأحمر في عهد صدام حسين، وبهذه الجوازات استطاعا السفر إلى أي بلد خارج العراق.
ثالثاً: تركيا هي التي قبلت لجوء 500-600 ألف كردي عام 1991م هرباً من قصف طائرات صدام حسين، وهيأت لهم الخيام والبطانيات والأدوية والطعام..إلخ لشهور عديدة، فكيف ينسى الأكراد فضل تركيا عليهم؟!
رابعاً: ليست هناك دولة ساهمت في تقدم منطقة شمالي العراق مثل تركيا؛ إذ يتواجد هناك ما يقارب من ألف شركة تركية تعمل في هذه المنطقة وتنفذ مشاريعها الحيوية، كما أن الرسوم التي تدفعها الشاحنات التركية التي تنقل البضائع إلى العراق عن طريق مدخل "الخابور" تشكل أكبر دخل لهذه المنطقة، وتركيا تزود المنطقة الشمالية للعراق بنسبة 30% تقريباً من حاجتها للكهرباء، ولو أرادت تركيا لخنقت هذه المنطقة خنقاً وذلك بالاتفاق مع إيران وسورية بإغلاق مشترك للحدود، عند ذلك لن تعيش هذه المنطقة سنة واحدة بل تختنق.
خامساً: القول إن شمالي العراق يتمتع بنظام ديمقراطي قول يتجنى على الحقيقة؛ إذ يستحيل حسب علم الاجتماع الانتقال من النظام العشائري المتخلف والبدائي دفعة واحدة إلى النظام الديمقراطي الذي يتطلب تحقيقه ما يقارب القرن الواحد ، فمثلاً مع إن التجربة الديمقراطية في تركيا بدأت عام 1946م إلا أنها لم تتكامل حتى الآن؛ لوجود نواقص وثغرات فيها، فكيف يمكن القفز في شمالي العراق من نظام عشائري متخلف إلى نظام ديمقراطي؟ هل هذه الأمور سهلة إلى هذا الحد؟ نحن نعرف بأن البرزاني والطالباني تقاتلا سنين عديدة، ولولا أن أمريكا أجبرتهما على التفاوض والمصالحة ورعت تلك المفاوضات، لما ساد الوفاق هناك.
والجميع يعلم أنه لا وجود لحرية التعبير والصحافة هناك، أو حرية سياسية، وما حصل في الانتخابات التي جرت هناك من تزييف وتهديد واعتداء على المعارضين دليل على ما نقول.
فمن الذي أحرق مقرات أحزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني؟ ومن الذي أحرق ثلاثة من زعماء هذا الحزب في مدينة دهوك؟ وهل يجرؤ أي شخص على انتقاد البرزاني؟ من يفعل هذا يكون مصيره السجن والسجون في أربيل والسليمانية مملوءة بمئات السجناء السياسيين، ويكفي متابعة التقارير التي كتبها مراسلو بعض الصحف الأجنبية والتي نشرت في عدة مواقع على الإنترنت لمعرفة ما يجري في هذه السجون من تعذيب، بالإضافة إلى سوء الإدارة والرشاوى المتفشية، والقريبون من الحزب الحاكم ينهبون البلد، وهل الكردي في شمالي العراق يملك نصف الحرية التي يملكها الكردي في تركيا في التعبير عن رأيه؟.. إذن فعن أي تجربة ديمقراطية يتحدثون؟
والحقيقة أن هذه المنطقة مرشحة لدور خطير وسلبي في هذه البؤرة الحساسة من الشرق الأوسط:
1 - فهي مرشحة أن تكون إسرائيل ثانية في العراق ، فدور "إسرائيل" ونفوذها ودورها هناك في تزايد مستمر.
2 - كذلك أصبحت بؤرة للجمعيات التبشيرية المسيحية، فهناك الآن مئات الجمعيات التنصيرية تعمل هناك بكل حرية، وتغري الشباب بشتى الأساليب للدخول في المسيحية (تقدم لهم فرص القبول في الجامعات الغربية، وفرص العمل..إلخ) وتصرف الملايين في هذا السبيل، فكانت النتيجة "تنصّر" ثلاثة آلاف كردي وتأسيس كنيسة كردية في أربيل ، وذلك للمرة الأولى في التاريخ الكردي.
3 - هذه المنطقة مرشحة لتكون قاعدة أمريكية طوال عشرات السنوات القادمة لأن أمريكا تبني هناك عدة قواعد عسكرية، والقاعدة العسكرية التي تبنيها حالياً في أربيل ستكون من أكبر القواعد العسكرية في الشرق الأوسط، وستكون أكبر حتى من قاعدة "أنجيرلك" في تركيا.
ولنعد الآن إلى الوضع بعد تهديد السيد أردوغان وإظهار عزمه على استخدام القوة العسكرية في شمالي العراق ، لقد فهمت جميع الجهات (العراقية منها والأمريكية) أن تركيا عزمت على هذا على الرغم من عدم تفضيل أمريكا لهذا التدخل العسكري ، وأن تركيا وضعت جميع الاحتمالات أمامها ومنها احتمال التصادم مع أمريكا في شمالي العراق. هنا تراجعت جميع الأطراف عن مواقفها السابقة فأعلنت حكومة بغداد أنها ستقوم بغلق مكاتب PKK في العراق، وأعلنت حكومة البرزاني أنها ستغلق جميع منافذ الطرق الواصلة إلى معسكرات PKK وقامت بذلك فعلاً.
 وأصبحت أمريكا في وضع حرج، فهي من جانب تريد استعمال الورقة الكردية، وتريد من جانب آخر عدم خسارة صداقة تركيا التي هددت بأنها قد تغلق قاعدة "أنجيرلك" أمام الأمريكان ، وهي القاعدة التي تمول الجنود الأمريكان في العراق وأفغانستان ب 73 % من حاجتهم التموينية.
لذا اضطرت إلى التخلي عن PKK وليس عن حكومة البرزاني، أي (أبقت على الورقة الكردية في يدها) ووعدت تركيا بالتعاون معها وتزويدها بالمعلومات الاستخبارية الآنية التي يمكن الاستفادة منها في معرفة تحركات أفراد PKK ومواقعهم المتنقلة ، وشن عمليات قصف لهذه المواقع.
والأحداث لا تزال مستمرة والمشكلة لا تزال قائمة ، وسنرى تطور الأحداث في الأيام القادمة.
المصدر : مجلة المجتمع ، الأعداد : 1783- 1785
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف