• الصليب وحكاياته

سكة حديد الحجاز في ذكراها المئوية ..

May 31 2011 23:32:22

الكاتب : ربيع فيصل الحافظ

سكة حديد الحجاز في ذكراها المئوية
سكة حديد الحجاز في ذكراها المئوية ..
الفيلم الوثائقي "سكة حديد الحجاز" الذي بثته قناة الجزيرة الوثائقية في أيام شهر رمضان المبارك اختيار نوعي ونادر بمقاييس الفضائيات العربية، مع إن إعداد مثل هذه الأفلام أو ترجمتها لم يعد مهمة صعبة، فضلاً عن أنها مطلوبة.
المحطات التاريخية والسياسية والفلوكلورية التي مرت عليها حلقات البرنامج اليومية كانت كافية لكي تفعل الكيمياء التاريخية والاجتماعية الإقليمية فعلها، وقد فعلت، وكانت عرضاً لنسيج إقليمي حي في منطقة مجزأة ، ويقترب واقعها المجزأ من ذكراه المئوية.
هذه الشعوب تثبت أنها كالماء، فلْقُه والمباعدة بين شطريه معجزة لا تحققها إلا عصا موسى عليه السلام، وبزوالها يرجع الماء كتلة واحدة، كذلك الأخاديد المزمنة التي حفرتها النظم السياسية بين هذه الشعوب.
قيام لورانس بنسف خط الحجاز الحديدي وتقطيع أوصال خصمه أمر لا يستعصي على الأفهام.
وتواطؤ نفر من العرب من ضعاف النفوس معه طمعاً في عرش العرب الموعود قضية لا تستعصي على الأفهام هي الأخرى.
ما يستعصي على الأفهام هو أن يبقى الخط على الحال التي تركه عليها لورانس وثواره، رغم حاجة المنطقة الشديدة إلى وسائل مواصلات رخيصة وآمنة تربط أصقاعها المترامية وتؤمن احتياجاتها.
وما يستعصي على الأفهام هو أن يدفن ما كان يرمز له هذا الخط في الأذهان مثلما دفن هو في الرمال.
كم منا كان يعلم قبل مشاهدته للفيلم أن الخط أنجز بتبرعات المسلمين في أنحاء العالم وصدقاتهم الجارية؟ وأن من اخترق الخط مزارعهم رفضوا قبول تعويضات مالية؟ وأن جنود الجيش العثماني تبرعوا بأوقاتهم في أعمال الإنشاء؟ وأن العائلة كانت تحرص على أن يخلف الابن أباه في وظيفته في شركة الخط لقداسته في نظرها ونبل غايته؟ وأن حماس العاملين من العرب والأتراك أفشل توقعات الخبراء الأوربيين الذين رءوا استحالة إنجاز أكثر من 100 كيلومتر في العام، لكنه وصل إلى 288 كيلومتر؟..
أطلق على الخط الحجازي اسم طريق الحرير الحديدي، لتأثيراته الهامة في المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المنطقة خلال فترة حياته القصيرة، واعتبره الإنكليز ذا طبيعة مزدوجة ترسخ سيادة سياسية وعسكرية على مناطق كانوا يعدون الخطط لدخولها فحرضوا البدو على مهاجمته.
كتب سفير النمسا في استانبول 15-1-1908: "إنه مغامرة مالية غير متوازنة في التاريخ التجاري الحديث".
وكتبت صحيفة التايمز في حينها: "إن مشروع الخط الحجازي برمته يدل على أن العثمانيين يمتلكون موهبة تذليل الصعاب حين يعتزمون الوصول إلى غاياتهم".
ولخصّه الباحث السير كينغ بما يلي: " أول سكة حديد في تاريخ البشرية تعيد لنفسها ما دفعته قبل أن تبيع أولى تذاكرها"، في إشارة إلى التمويل الذاتي الذي وفرته تبرعات المسلمين والاستغناء عن قروض البنوك الأوربية وشروطها.
كان المشروع الذي امتد إنشاؤه من 1-9-1900 إلى 1-9-1908 مهرجاناً تاريخياً عملاقاً، تفاعلت معه شعوب المنطقة بتفانٍ منقطع النظير، وراقبه العالم وحضر بخبراته يشارك المنطقة مشروعها العملاق.
مثّل الخط الحجازي آخر فعالية استراتيجية قامت بها شعوب المنطقة ككتلة سياسية موحدة وهوية إقليمية، وكان المرة الأخيرة التي تعامل فيها العالم معها على هذا الأساس، قبل أن تقسم وتخرج من إطار الكتلة إلى إطار الكانتونات أو الدولة القطرية ، وتفقد هويتها ، ويتعامل العالم معها على هذا الأساس.
تبدلت الأزمان وتبدل العالم وسكة الحجاز المدفونة تحت رمال الصحراء لا تزال مصدر حساسية وتشنج للدول العربية المعنية، صدؤها وتناثر أشلائها شاهدان على صدئ العلاقات العربية ـ العربية، ومَعلَم على أن خريطة الخلافات السياسية التي اقتتل على أساسها العرب على هامش الحرب العالمية الأولى ، وتقسمت على أساسها أوطانهم لا تزال هي هي لم تتغير وتتحكم بمساراتهم ومصائرهم.
كيف يقارن هذا بتصميم الغريمان الأوربيان بريطانيا وفرنسا على حفر نفق تحت قاع البحر وإيجاد ممر بري يربط البلدين؟
العالقون في تركة لورانس والمسكونون بروحه يتمنون اليوم ـ خيفة وجهرة ـ أمام الزلزال الطائفي والشعوبي الذي يهز المنطقة لو أن خطاً حديدياً امتد من قلب تركيا إلى قلب العالم العربي المترنح يثبت رماله المتحركة، ويكون عموداً فقرياً يعيد للنظام السياسي العربي الكسيح القدرة على الوقوف.
الأماني العربية التي مبعثها القلق تقابلها مشاريع تنفيذية فارسية مبعثها الثقة، فلإيران الواقعة على مفترق طريق الحرير القديم، والتي تتراجع مواردها النفطية، لها رؤية وهدف واضحان: الرؤية : استعادة دورها التاريخي كعصب لشبكة المواصلات بين آسيا وأوربا وبين تخوم الهند والبحر المتوسط. أما الهدف: فإنشاء شبكة وطنية واسعة من سكك الحديد والطرقات والجسور والأنفاق وربطها بشبكات الدول المجاورة.
الطموح الإقليمي الإيراني صعب ولكنه قابل للتنفيذ بحسب الخبراء، تذللـه الجغرافية السياسية الجديدة الناشئة في شرق المتوسط ومنذ احتلال العراق، ويذللـه تهافت شركات سكك الحديد العالمية العملاقة ومن ورائها حكومات بلدانها التي تطمع في امتيازات سياسية كما في سكة الأناضول ـ الحجاز.
وقد بلغ معدل ما أنجزته إيران من سكك الحديد في العام الواحد 500 كيلومتر في الفترة ما بين 2000 -2003 وتوشك على الفراغ من 3000 كيلومتر آخر.
المنطقة العربية التي استهلت القرن الماضي بتفكيك أمنها الإقليمي، وتدمير بناها اللوجستية الإقليمية، ولم تكترث طوال تسعة عقود متواصلة لإصلاح الخلل الاستراتيجي على رقعتها الشاسعة، هذه المنطقة جعلت من نفسها مكاناً طبيعياً لمشاريع الغير، وما تفعله إيران اليوم في المنطقة مسألة حتمية الحدوث.
الفراغ اللوجستي في المنطقة لن يملأه هذه المرة خط حديدي يمتد من الشمال إلى الجنوب معيداً ربط الرأس بالجسد واستانبول بالحجاز، وإنما آخر يشق أحشاءها الرخوة من جهة الشرق، قدوماً من إيران ومروراً بالعراق فشواطئ البحر المتوسط.
المشروع اللوجستي الإقليمي الإيراني الذي قطع أشواطاً مهمة ليس الوحيد الذي سيلقي ظلالاً كثيفة على المنطقة، فهناك الممر (الروسي – الإيراني – الهندي) الذي هو شبكة من سكك الحديد والطرق البرية والممرات المائية التي تربط ميناء بومباي الهندي على المحيط الهندي بمدينة سانت بيترزبورغ (لينينغراد) عبر طهران وموسكو، أي يربط المحيط الهندي ببحر البلطيق، واصلاً أوربا بآسيا.
المشروعان معاً يشكلان ثورة في طرق المواصلات ستغير وجه المنطقة.
رب قائل يقول: هذه صورة بعيدة عن الواقع ، إن بدت الصورة بعيدة عن واقع اليوم والغد والشهر القادم أو العام القادم فلن تكون بعيدة عن واقع عالم تتعدد فيه الأقطاب ، وتحتدم فيه أشكال الصراع ، تلوح معالمه في الأفق منذ حين، ومن يروم الغد لا ينتظر الفجر، وهو ما حمل أمريكا على المجيء.
ثورة المواصلات لن تحيل قناة السويس إلى بركة راكدة، لكنها ستختزل المسافة من أوربا إلى آسيا من 16129 إلى 6245 كلم، والزمن بـ 10-12 يوماً على الأقل، والكلفة بـ 20%، منهية احتكاراً استراتيجياً ، وجاعلة الممرات المائية العربية طرقاً التفافية طويلة ستتراجع أفضليتها الملاحية على المدى المتوسط بحسب توقعات المتخصصين.
الخناق اللوجستي ليس مقصوراً على العرب، فالممرات المائية التركية ستتأثر هي الأخرى، وستحرم ممرات البوسفور والدردنيل من ملاحة البحر الأسود المتجهة إلى موانئ حوض المحيط الهندي.
الصورة غير متفائلة لكنها غير متشائمة، فلا ينبغي أن ينسينا طول الأمد أن منطقتنا منذ أفولها السياسي وإلى حين افتتاح قناة السويس كبديل عن رأس الرجاء الصالح ثم اكتشاف النفط، ظلت فاقدة للأهمية الاستراتيجية والاقتصادية ، وفي عزلة حضارية، وأن ابتعاد طرق الملاحة عن المنطقة مجدداً وبالتزامن مع اقتراب نضوب ثرواتها الطبيعية هو تكرار للألوان الأساسية للصورة السابقة لمن أراد إعادة إنتاجها.
بعبارة أخرى: طرق المواصلات الدولية تمر في مخاض جذري هو الأكبر منذ انقراض طريق الحرير، وهي إن تمت كما هو مخطط لها فستصيب المنطقة بمقتل بعد صراع طويل مع الموت ابتدأ بطعنة خلال الحرب العالمية الأولى في عمودها الفقري الذي شكلته سكة حديد الحجاز.
المصدر : موقع التاريخ
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
المفكر الإسلامي الراحل محمد إقبال

المفكر الإسلامي الراحل محمد إقبال

شاعر إسلامي عالمي وصفه الأستاذ عباس محمود العقّاد بأنه طراز العظمة...

صور من شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم

صور من شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الحضارة الإسلامية في الهند ، صفحة زاخرة في كل جيل

الحضارة الإسلامية في الهند ، صفحة زاخرة في كل جيل

د. صالح العطوان الحيالي دخل الإسلام الهند والسند أول ما دخل على يد...

جديد الأخبار المزيد
الجيش اليمني يشن هجومًا مباغتا على مواقع الحوثيين شرقي صنعاء

الجيش اليمني يشن هجومًا مباغتا على مواقع "الحوثيين" شرقي صنعاء

أفادت المقاومة الشعبية اليمنية الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي،...

تضامن واسع في تويتر مع حماس بعد هجوم ترامب عليها

تضامن واسع في "تويتر" مع "حماس" بعد هجوم ترامب عليها

أعرب ناشطون عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" عن تضامنهم...

إضراب شامل بفلسطين نصرة للأسرى وتعتيم إسرائيلي

إضراب شامل بفلسطين نصرة للأسرى.. وتعتيم إسرائيلي

عم الإضراب الشامل كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، تضامنا مع...

  • أيام في سيلان والمالديف