• الصليب وحكاياته

المبعوثان يعود بقوة

May 31 2011 23:36:07

الكاتب : ربيع فيصل الحافظ

المبعوثان يعود بقوة
المبعوثان يعود بقوة
بقلم / ربيع الحافظ
مناقشة البرلمان التركي للورقة الأمنية حول إرهاب حزب العمال بدت عزفاً في غير زمانه ، اللحن ودعته الأذن منذ حين، المعاني ارتحلت عن هذا المكان من العالم، النبرة قد شيّعها عالم القطب الواحد، اللهم إلا في أمريكا اللاتينية الباحثة عن هويتها، والتي تحولت إلى كتلة يحسب لها حسابها ، جلسة البرلمان كانت فعالية جمعت عروض السيادة، والاستقلال، والإرادة، والعزة، والوحدة الوطنية.
 
المشهد
الحزب الحاكم الذي دعا إلى عقد الجلسة الاستثنائية جاء مصطحباً فوزاً ثميناً صنعه على الساحة الداخلية، في المنطقة الكردية الساخنة على وجه الخصوص، ومندفعاً في اتجاه برنامج إصلاحي سياسي، ومفعماً بقناعة الطيف السياسي التركي بطروحاته الجديدة التي تجمع بين الجذور الإسلامية والمصلحة الوطنية.
 
البرلمان الذي التأم بحضور نواب حزب المجتمع الديمقراطي الكردي الرافض للورقة الأمنية، والذراع السياسي لحزب العمال الكردي، كان مؤشراً على الشوط الذي قطعه مسار الإصلاح السياسي، لكن حضور الـ 19 نائب كان في الوقت ذاته صورة فوتوغرافية لأرض المعركة الآيديولوجية التي خاضها حزب الحكومة مع حزب العمال تظهر حجم خسارته وفلوله.
 
إصلاحات الحكومة وتعديلاتها الدستورية وعبورها لخطوط حمراء ثقافية وقانونية في اتجاه مجتمع الفرص المتساوية الذي يضمن لفسيفسائه حقوقها أمام القانون، بدت أشبه بخطوة إلى الوراء لإعادة الالتحام بمفاهيم من الميراث العثماني الذي أحدث إقصاؤه في الفترة السابقة خروقاً في نسيج المجتمع ليس من السهل رتقها.
 
البرلمان بدا مذكراً ببرلمان سابق على هذه الأرض أدار مشهداً فسيفسائياً أوسع، ضم أكثر من 80 قومية ومذهب ودين هو "المبعوثان" العثماني، ويقترب في إصلاحاته السياسية والدستورية وحقوق الأقليات بخطىً حذرة من "نظام الملل" الذي ابتكره "المبعوثان" ثم طورته أوربا المعاصرة ليكون أساساً لتعدديتها الثقافية.
 
رسائل إلى الجوار
"المبعوثان" الجديد بتكوينه وأدائه وإدارة حكومته، كان رسالة ضمنية تطمينية إلى المنطقة القلقة من حوله، التي أنهكها الفراغ السياسي والهشاشة الأمنية، وتهددها المشاريع الانقسامية العرقية والطائفية، ويغيب عنها دور اللاعب الكبير، وباتت توقن أن صراعاً إقليمياً وإعادة رسم للخريطة السياسية هي الأكبر منذ مطلع القرن الماضي قادمة لا محالة
رسالة "المبعوثان" المطمئنة كانت قد سبقتها رسائل مطمئنة متفرقة بعثت بها تركيا ولامست مواطن القلق في المنطقة، منها: اقتصاد تركيا الضخم، قوتها العسكرية، مكانتها على المسرح الدولي ، الجمع بين نظم الاتحاد الأوربي الحديثة وبين الجذور الإسلامية الشرقية، سجلها الطويل في احترام الجوار، ومواقفها الاستراتيجية في صالح الشأن الإقليمي، وغيرها من المقومات الاستراتيجية.
 
لكن جلسة البرلمان كانت بمثابة الستار الذي يزاح عن مبنىً اكتمل بناؤه منذ حين في حفل مؤجل في مناسبة يحضرها الملايين وعدسات الإعلام، وقد كانت مناقشة الورقة الأمنية مناسبة محلية وإقليمية وعالمية في آن واحد انشدت إليها أعين العالم الذي شهد إزاحة الستار عن مقومات مجتمعة.
 
بين أنموذجين
الأهم أن المشهد هو لأحد ثلاثة برلمانات فاعلة في المنطقة، إلى جانب برلمان ولاية الفقيه والكنيست الإسرائيلي ، وإذا كان الحديث عن الأخير تحصيل حاصل، فإن المنطقة الباحثة عن ضالتها ومظلتها السياسية والأمنية تقف أمام أنموذجين سياسيين إقليميين.
 
الأول: ولاية الفقيه الذي قاد مشروعاً طائفياً داخل إيران وخارجها، ومزق مجتمعات المنطقة بجيوب طائفية كما بلاد الشام ولبنان تحديداً والخليج وشمال إفريقيا، وجلب الحروب.
 
الثاني: الأنموذج التركي الجديد الذي لم يخفض لافتة العلمانية ( ولن يقدر وإن أراد ) لكنه يدأب على إعادة الالتحام بمفاهيم أرستها وتميزت بها النظم السياسية السنية، وأنجبت بها من عقم الفسيفسائيات العرقية سبائك اجتماعية متماسكة، وحضارة خصبة  هي على الجملة أعظم ما عرفته مجتمعات الإنسانية.
 
أي أن المنطقة تتجاذبها قوى إقليمية متعاكسة بنسبة 2:1 وفي الاتجاه المضاد لمصالح الشعوب، وأن البرلمان التركي هو الـ 1 في هذه النسبة. بذلك يكون "المبعوثان" الجديد قد حسم معركة آيديولوجية أخرى، ليست محلية هذه المرة، وبرهن لشعوب "المبعوثان" القديم العائد إليها في الوقت الضائع، أي الأنموذجين أقدر على الإدارة وأولى بالمصداقية.
 
وإذا اعتبرنا أن إيران خلعت جلدها العلماني في عام 1979 بمجيء الخميني، وأن تركيا ارتدَت ثوبها الجديد بمجيء حزب العدالة والتنمية في عام 2001، فإن السنوات الستة الأخيرة كانت حرباً باردة بين أمتين عائدتين إلى انتمائهما الحقيقي: إيران الساسانية المتوشحة بالتشيع، وتركيا الباحثة عن ضالتها في ميراثها العثماني.
 
 العناوين التي ترسلها هذه الحرب إلى دواوين التاريخ ومعاجم السياسة هي:
 
·   ’’ستة أعوام من أنموذج سياسي، مقيد الأيدي، جزئي الحلول في مهد آخر النظم السياسية السنية، تكفي لإزاحة ثلاثة عقود عن القلوب والعقول من نظام المذهب الواحد والحزب الواحد والعرق الواحد الذي قادته ولاية الفقيه‘‘. العنصر الفاعل في هذا السياق هو أن السلوك العام للجماعة أو الفرد هو أهم عامل حسم عند الرأي العام عند تقرير علاقته مع الطيف السياسيي، وأن شريحة رجل الشارع التي هي الأغلبية في كل مجتمع، تبني قناعاتها على المشاهدة وليس القراءة. مثال ذلك دخول شعوب شرق آسيا في الإسلام على يد تجار كانت ذخيرتهم الدعائية الوحيدة هي الأخلاق، وتغير كل شيء في المجتمع واستمر دون سلطان سياسي أو حراسة أمنية. المثال المعاكس هو الإيراني، الذي تغير فيه مذهب المجتمع في انقلاب دموي قاده الصفويون، وتقوم الدولة منذ ذلك الحين بحراسة بوليسية للمذهب الجديد.
 
·’’آيديولوجية الأقلية تفشل في أن تكون مظلة اجتماعية‘‘. الأقلية التي تختلف مع محيطها الكبير بالفكر وليس بالعرق. وتعيش بموازاة المجتمع بطقوس وأدبيات قامت أساساً لإدارة مجتمع منغلق، واللمز من الأغلبية والندية مع الأقليات الأخرى، فهي تجيد فن المعارضة وتتآكل في الحكم، ولكونها أقلية عددية فإن وسائلها للتغير غير ذاتية على الدوام، وما سعت إلى إبدال الواقع من حولها إلا وجدت نقسها في حلف مع قوة خارجية تلتقي معها في المصلحة، فتتحول فترة تمكنها السياسي ـ القصيرة ـ إلى صدام تلقائي مع المجتمع الكبير.
 
·  ’’مفهوم المذهب يتجاوز البعد الفقهي ويحمل نظريات اجتماعية‘‘. يحمل المذهب الفقهي ـ في كل دين ـ البصمة الوراثية للبيئة السياسية والاجتماعية التي تأسس فيها، التي تنعكس على سلوك الفرد والجماعة في محيط المذهب، ونظرتهم إلى المجتمع وطريقة التعامل مع الغير. وعندما تتحدث أوربا العلمانية عن البروتستانتية اليوم فإنما تتحدث عن جانب فيها كان مسؤولاً عن تأسيس العالم الجديد في الأمس وصناعة العولمة اليوم مقابل الجمود الكاثوليكي. وبالتالي فإن انحسار مفهوم المذهب عندنا ـ نحن المسلمين ـ ووقوفه عند البعد الفقهي حرم المجتمع المسلم من الخريطة الاجتماعية والقوانين التي أقامت وأدارت النظم السياسية السنية على أساسها مجتمعات هي أفضل ما عرفته الإنسانية.
 
 ’’لكل حضارة مدرسة أغلبية هي التي تتوسط الطيف العقدي والسياسي وهي صمام أمان المجتمع ‘‘. ليس مصادفة أن تبقى الأقليات المذهبية أو الفكرية أقليات في أي مجتمع، فهي أينما وجدت عكست غلواً تنأى عنه فطرة الأغلبية، وتبقى الأقليات "بارومتر" يؤشر على الحالة الصحية الثقافية للمجتمع صعوداً ونزولاً وفي اتجاه معاكس.
 
· ’’الأغلبية في مفهوم الحضارات نمط تفكير وليس إحصاءً سكانياً‘‘. مفهوم الأقلية والأكثرية ثابت في مفهوم الحضارات لا يتغير كلما تغيرت الخرائط الجغرافية كما في سايكس بيكو أو في كانتونات الشرق الأوسط الجديد القادم. والحضارات لا تقودها الأقليات، وإنما تتسع هي للأقليات وخصوصياتها وأنماط حياتها، وفي المقابل فحق الأغلبيات على الأقليات أن تحترم مفاهيمها، وتكون بذلك جزءاً من نسيجها العام.
 
هذه النتيجة هي الأهم في تاريخ السجالات بين الأنموذجين، فقد حسم "المبعوثان" القديم سجالاته مع خصمه حسماً عسكرياً في ساحات الحرب بعيداً عن أعين المجتمع، وهذه هي المرة الأولى التي يتواجه الأنموذجان فيها داخل أسوار المجتمع في ميادين القضاء والسياسة والاجتماع والحقوق والمصداقية وغيرها، وأمام أعين الناس الذين عاينوا المشهد عن كثب ووجدوا في طرفيه مدرسة لبناء وصون المجتمعات، وأخرى للمعارضة والمشاكسة السياسية تقوى في طور المعارضة وتتآكل عند وصولها إلى الحكم.
 
ليس من طباع إيران أن تدع سجالاتها السياسية ومقوماتها الاستراتيجية لوسائل التنافس الحر، وما فعلته مع أمريكا في إسقاط طالبان وصدام حي في الأذهان ، ما صار بعيداً عن الأذهان هو سجالها مع العثمانيين الذي كسرته بحلف مع أوربا، يوم كتب سفير النمسا في استانبول إلى ملوك أوربا ناصحاً: لن ينقذنا من الطاعون الأسود (الفتوح العثمانية) سوى الصفويين. والبعيد عن الأذهان كذلك هو احتفال إيران في كل مرة  كانت تسقط فيها أرض عثمانية في يد روسيا في حرب البلقان.
 
دور قديم أمام واقع جديد  
بصمات إقليمية
صورة تركيا الظافرة، سياسياً واقتصادياً، محلياً وإقليمياً، لم تعجب أحداً من الذين طال وقوفهم في طابور تقاسم المنطقة ، هي لم تعجب حزب العمال الذي قاد نزاعاً مسلحاً منذ عشرين عاماً ضد تركيا ، لكنه اليوم يخسر معركة لا يملك أسلحتها ففتح النار على تجربتها ، ولم تعجب زعماء الأحزاب الكردية في شمال العراق الذين لم يرق لهم مشهد أكراد تركيا وهم يرقصون في شوارع ديار بكر ابتهاجاً بدخولهم البرلمان التركي واندماجهم في العملية السياسية، ولسان حالهم ـ الزعماء الأكراد ـ يقول: رقص في ديار بكر اليوم وغداً في أربيل، مدركين أن التجربة التركية نسفت من الأساس شعارهم: لا صيغة تعايش بين الأكراد وشعوب المنطقة إلا بالانفصال.
 
من حق تركيا التي أصلحت واستدركت وطورت وشقت طرقاً جديدة للتعايش بين مكونات شعبها، من حقها الدفاع على تجربتها وملاحقة الذين فتحوا النار على نجاحها ، النار تفتح على تركيا من أرض عراقية، بأسلحة أمريكية، وألغام أرضية إيطالية، وتفرج أوربي، وتعاطف أرمني، ولوبي يهودي أمريكي داعم للملف الأرمني، فالحرب إقليمية إذا، ويصبح من حقها تفعيل أدواتها الإقليمية وزجها في الدفاع عن نفسها.
 
ومن حق المنطقة التي أفزعتها المشاريع الانشطارية، والشذوذات السياسية والفكرية التي تتحدى لغتها وثقافتها وتراثها، من حقها رؤية دور قيادي إقليمي يضع حداً للفوضى التي استطار شررها ويعيد للمنطقة هيبتها الأمنية، ومن حقها على نفسها أن توفر لهذا الدور الأدوات.
 
ثقة دون ثقة
الثقة التي أبداها "المبعوثان" الجديد عند مناقشته الورقة الأمنية بدت عند التنفيذ أدنى حداً وأقل حيلة ، كانت المبالغة في طمأنة الجوار العربي والتأكيد على حسن نوايا تركيا ونفي أطماعها بأرض ونفط العراق، كانت تعويضاً واضحاً عن قنوات إيصال الثقة إلى الجوار التي لم تجدها في حوزتها. 
 
كان واضحاً أن تركيا تهاونت بأرصدتها الأخلاقية في المنطقة ، فبعد أربعة أعوام على قبضها أكبر صك معنوي برفض برلمانها نزول الجيش الأمريكي على أرضها لغزو العراق، لا زال الصك مجمداً في حسابات مصرفية من دون استثمار ، الحكومة التركية تحظى اليوم بشعبية في الشارع العربي لم تعرف منذ قرار السلطان عبد الحميد رفض مبادلة فلسطين بديون الدولة العثمانية، وقرارها لا يقل ثمناً مادياً عن ديون الدولة العثمانية، أما ثمنه السياسي فلا يقل عن قرارت "الأنفة" الديغولية التي أدخلت العلاقة بين فرنسا وأمريكا في فتور لا مخرج منه ، ومع ذلك لم يرقَ القرار إلى مصاف  القرار الأول.
 
شعبية اليوم أهم من شعبية الأمس، فهي ليست على رقعة تمارس الحكومة عليها نفوذها ودعايتها، وإنما تشاغف العقول والقلوب من وراء الحدود ، لكن هذه الشعبية لا قناة لها توصلها إلى رقعتها الواسعة تنقلها من دائرة العواطف التي تأتي وتذهب إلى دائرة الحقائق والأرقام التي تدوم ، فالإعلام التركي الموجه إلى العالم العربي لا يتناسب كماً ونوعاً مع حجم التحديات، فمقابل 20 قناة عربية تملكها أو تمولها إيران، لا توجد قناة فضائية تركية واحدة تبث باللغة العربية ولم يوظف الإعلام التركي أبسط الحقائق التي في حوزته لتصويب ركام من المفاهيم الخاطئة.  
سياسية الفوضى الخلاقة التي اختارتها أمريكا لهذه المنطقة يعني أن المزيد من الفوضى الإقليمية وضعف الحكومات المركزية لا زال في الطريق ، وقد أظهرت فوضى العراق أن الشارع هو من يؤول إليه القرار في لحظة الحسم، وأن من يملك ثقة الشارع هو الذي يمسك بالورقة الرابحة ، وقد عارض الشارع العراقي في بداية الاحتلال دخول الجيش التركي إلى المدن العراقية، وهو نفسه اليوم الذي يتمنى لو أنه رأى جندياً تركياً بباب منزله حين غلقه في المساء وفتحه في الصباح، وليس ذئباً من ذئاب "لواء الذئب" التابع لوزارة الداخلية أو جيش المهدي، ولكنها أمنية بعد ضياع الكثير من الوقت.
 
إيران هي خير من وعى الدرس، التي انتزعت ثقة من قطاع من الشارع العراقي ، وجلست تنتظر وقوع الفوضى التي أتى بها الاحتلال.
 
سياسية الانكفاء الداخلي التي اختارتها لنفسها تركيا الحديثة كانت نهجاً تبنته الدول التي خسرت مواقعها كقوى عظمى في أعقاب الحرب العالمية الثانية وهي ألمانيا واليابان إلى جانب الدولة العثمانية ، ما أرادته هذه الدول هو أجندة للاتجاه بشكل كامل للجبهة الداخلية وإعادة البناء ، قسم رئيسي من النجاح الذي حققته ألمانيا واليابان بعد الحرب يعزى إلى هذه السياسة، في حين تعاني تركيا من مضاعفات جانبية لسياسية طبقت في محيط فسيفسائي غير مستقر، كان النفوذ العثماني فيه على الدوام ضرورة لاستقراره ، هذا المحيط يغرق اليوم في فراغ وفوضى ثبت أن التدخلات العسكرية  ليست بديلاً.
 
غيرنا أعاد الاصطفاف
ليس من الصدف أن ينجح تكتل سياسي قائم على فسيفساء كأوربا وبين شعوب لم تعرف سلاماً متواصلاً أكثر من ستين عاماً ويفشل غيرهم ، لقد أعاد الأوربيون لأنفسهم تعريف المفاهيم وبالغوا في ذلك، وجعلوا الضرورات العامة مسوغاً لتجاوز المحظورات الخاصة، حتى وإن اصطدمت بثوابت الديمقراطية والسيادة ، وقد كان حصار الاتحاد الأوربي للنمسا بعد فوز حزبها اليميني بزعامة رئيسه ذو الجذور النازية في الانتخابات العامة، وإرغامه على التنحي عن منصبه والتواري السياسي، كان امتحاناً للمفاهيم الجديدة، إذ لا حرية خاصة مطلقة لشعب أو دولة ضمن كتلة إقليمية إذا ما تعارضت تلك الحرية مع المصالح العليا للكتلة، مثلما أنه لا حرية مطلقة للفرد ضمن الوطن.
 
شعوب منطقتنا بحاجة إلى إعادة تعريف مفاهيمها تجاه بعضها: السيادة، المواطنة، والاستقلال، بما يتيح لها اصطفافاً جديداً ولاعباً كبيراً وفرصاً أفضل لحماية أنفسها، حتى وإن بدت التعريفات الجديدة ، وكأنها تمر على معاني الكبرياء الوطني، فليس كل ما في الاتحاد الأوربي يعجب أو يداري الكبرياء الألماني، والإمبراطوري الفرنسي، والإرث الإنكليزي، لكنها الضرورات والمصالح الإقليمية العليا.
 
 ليست هذه تبعية أحد لأحد، ولكن ما من جغرافية سياسية اليوم تخلو من لاعب كبير تلتقي عنده المصالح الكبرى لشعوب المنطقة ، هذا اللاعب نجده في أمريكا اللاتينية حيث البرازيل، وفي الاتحاد الأوربي حيث ألمانيا، وفي إفريقيا حيث جنوب إفريقيا، وفي شرق آسيا حيث الصين، وعند الشعوب السلافية الشمالية حيث روسيا.
 
وفي الوطن العربي حاولت دول عربية القيام بهذا الدور، مصر في حكم جمال عبد الناصر، والعراق في حكم صدام حسين والجزائر في منطقة المغرب العربي في حكم هواري بومدين، وتوفرت لهذه الأنظمة من الظروف السياسية والاقتصادية والدولية ما لا يتكرر بسهولة، لكن الدور استأثر به أشخاص وليس  مؤسسات، واصطدم بهوية الشعوب فتعطلت المهمة وبقي الدور شاغراً، وهو ما تطمح إيران لملئه اليوم.
 
دور اللاعب الكبير هذا رسخناه في أدبيات حضارتنا ـ نحن العرب ـ سواد هذه الأمة وحملة مشعل الرسالة الأول إلى أمم الأرض، وقبلنا أن يحمل اللواء غيرنا من الشعوب الإسلامية لأكثر من 12 قرناً من مجموع القرون الـ 14 من تاريخ حضارتنا، ومع ذلك فلا زال عنوان الحضارة هو "العربية الإسلامية"، فالعبرة بمضمون الرسالة لا بحاملها، ولا نظير لهذا المفهوم الإداري المتقدم سوى نظام الـ  Franchise التي تدار به الشركات الأخطبوطية المتعددة الجنسيات التي غطت المعمورة.
 
 نكون أو لا نكون
مهمة تركيا والمنطقة لن تكون سهلة ولكن الخيارات ليست متعددة ، فالخريطة السكانية التاريخية للمنطقة تتغير تحت عناوين مختلفة بأدوات متقدمة (اقتصاد، سياحة دينية، تهجير، اغتيالات، هدم المعالم التراثية للمدن، مهمور عالية للعربيات لزيجات مختلطة)، والجيوب الطائفية والعرقية تمزق المجتمعات المدنية ، هذا بالنسبة للعرب.
 
أما تركيا، دولة المؤسسات والقانون الوحيدة المتبقية في المنطقة بعد زوال الدولة المدنية العربية، فهذه هي المرة الأولى التي يدافع فيها الأتراك عن عمق أمنهم القومي من مواقع دفاعية متأخرة، بل من وراء حدودهم التي يحتشد قبالتها الخصوم.
 
وإذا كانت أمريكا قد عجزت عن وقف عبور الفقر المحتشد على حدودها مع المكسيك الطامع إلى الوصول إلى قلبها ونهش اقتصادها، فهل تكون تركيا أقدر على وقف عبور الفوضى الطائفية والعرقية المحتشدة على حدودها تتوق ونهش مؤسساتها؟ أمريكا باتت مقتنعة أن الجدار الخرساني والقناصة على طول الحدود لن يعصما اقتصادها من البطون الجائعة ، ولابد من مواجهة هذه البطون على أرضها بمشاريع اقتصادية، ومثلها فعل الاتحاد الأوربي مع إفريقيا رغم الفاصل البحري ، فشطب الديون واستثمر في الاقتصاديات المحلية.
 
الدرس في المثالين الأمريكي والأوربي هو: أن دول المؤسسات والقانون بأنظمتها المتطورة كالساعة السويسرية إعطابها سهل، ولا يسعها أن تحيط نفسها بحزام ناري من الفوضى، ومن غير الواضح كيف ستطمئن تركيا حين تتجه غرباً للبناء وهي تدير ظهرها للفوضى المنظمة.
 
سواء دخلت تركيا الاتحاد الأوربي أم لا فإن مسارها الأوربي المهم لاقتصادها واصلاحاتها السياسية سيستمر، وسيستمر نزيف حزب العمال الذي قد تخثر المبادرات الديبلوماسية دماءه لكنها لن تجففه، ثم تعود نفسها لنكئه في ظرف مختلف ، وبذلك يتجاذب تركيا مشروعان متعاكسان: مشروع بناء وتنمية على جبهتها الغربية ببرنامج راسخ ورؤية واضحة، ومشروع استنزاف على جبهتها الجنوبية الشرقية بتردد وحيرة.
 

يقول الكاتب التركي سايغي أوزتورك في كتابه "الجنرال": "إننا نتعامل مع إرهاب حزب العمال على أنه قضية أمنية محضة، ونسلك طرقاً مختصرة، والمؤسسة العسكرية تتعامل مع الأزمة بمعزل عن باقي مؤسسات الدولة". تتمة هذا الكلام هو أن تركيا تتعامل مع أزمة إقليمية بأدوات محلية محضة، وبمعزل عن باقي شعوب المنطقة، ولو لم تزج حكومة العدالة والتنمية في معركتها مع حزب العمال سلاحاً جديداً لا يملكه، والتفت عليه ببني جلدته لما رقص الأكراد.

 

 
الحديث عن الآيديولوجية الإقليمية إن بدا غريباً اليوم فلا ينبغي أن يكون باعثاً على التشنج في الأوساط الفكرية، فالمشهد الفكري العربي عشية تقسيم المنطقة العربية في القرن الماضي كان سجالاً بين معسكرين: معسكر نادى بفك الارتباط الكامل مع العثمانيين، وآخر نادى بالإبقاء على النظام السياسي الإقليمي العثماني مع منح العرب حقوقاً سياسية أكبر، امتد من المغرب العربي إلى العراق مروراً بمصر وبلاد الشام، ومن أكبر رموزه عبد العزيز الثعالبي (تونس)، رشيد رضا، محمد عبده (مصر)، وجمال الدين القاسمي (سوريا)، ومحمود الآلوسي (العراق).
 
تم حسم ذاك السجال لصالح المعسكر الأول، لكنه لم يكن حسماً فكرياً، وإنما كان حسماً أمنياً في ظل الاحتلال الانكليزي، مثلما تحسم قضايا الدستور والنفط والفدرالية في العراق اليوم في ظل الاحتلال الأمريكي.
 
تسعون عاماً من تبعات ذلك الحسم ومن الواقع الذي وصلنا إليه فرصة كافية لإعادة لتسوية ذلك السجال بطريقة مختلفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهامش :
*        البرلمان في عهد الدولة العثمانية.
المصدر : موقع التاريخ
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

صقلية حضارة المسلمين المنسية

صقلية حضارة المسلمين المنسية

شريف عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري بدأت القوى العالمية...

جديد الأخبار المزيد
زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

في ظل تهميش بارز للقاعدة السنية بإيران وحرمانها من المشاركة السياسية...

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

أصيب العديد من الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة اليوم، خلال...

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

في سابقة تاريخية، خرج أمس، آلاف العلماء والمناصرين للعلم، في...

  • أيام في سيلان والمالديف