• الصليب وحكاياته

أربعة عقود من تحييد الذاكرة

May 31 2011 23:37:37

الكاتب : ربيع فيصل الحافظ

أربعة عقود من تحييد الذاكرة
أربعة عقود من تحييد الذاكرة
الذاكرة الجماعية للمجتمع كالدورة الدمويةللجسد، دوران أحداثها في الذهن الجماعي كدوران الدم في خلايا الجسد التي إن لميصلها بحمولته من الأوكسجين والغذاء ماتت الخلايا ، ومثلما أن للدورة الدموية طرقإنعاش فللذاكرة كذلك، تقتطع الأمم لها قسماً مهماً من مواردها لتبقيها غضة طرية ، بلإن من الشعوب من يعيش على ذاكرة جماعية وهمية ينسجها المختصون لتمتلك أسباب البقاء .

 

الذاكرة الجماعية هي الصفات الوراثية للمجتمع التي تحكم طباعه وسلوكه فلا يخرجعن السلالة الفكرية والاجتماعية التي ينحدر منها، وهي جهاز المناعة.

 

أصابالذهول مراسلي الفضائيات العربية وهم يستمعون إلى رجل الشارع العربي عما يعنيه لهتاريخ 5 حزيران 1967، فبين قائل: لا علم لي بالتاريخ، وآخر: أول مرة يمر علي. ..

 

وجواباً على سؤال: ماذا تعرف عن حرب وقعت بين إسرائيل وثلاثة دول عربية ضاعت فيهاالقدس وسيناء والجولان؟ قال مواطن عربي: والله "خوي" (أخي) بصراحة لم أسمع بهذهالحرب، المراسل: لم تسمع إطلاقاً؟ المواطن العربي: إطلاقاً لم أسمع، وقال ثالث: أنامن مواليد 1961 سمعت عن الحرب لكني بصراحة لا أعلم عنها الكثير.

 

حاول المراسل إعطاءالمشاركين محفزات فكرية علها تستخرج معلومة ذات علاقة منحشرة في زاوية من زواياالذهن ولكن دون جدوى.

 

ما هذا الإنجاز الثقافي والفكري العظيم؟ كيف نشأ هذاالجيل؟ ماذا تعلم في المدارس ، وماذا سمع من الإعلام؟ أمِن القسوة التساؤل: هل فعلأحد بنفسه (وعلى نفقته الخاصة) ما فعلته هذه الدول بنفسها في ظرف ربع قرن من الزمن؟بل هل فعله عدو بعدوه؟ وما تلك الرؤى التي يتحدث عنها القوم ويصدرونها في كتب أنيقةتصادفك أينما ذهبت؟! أتطاول بالبنيان وتقزيم لقامة الإنسان؟!!.

 

كان للذكرى حضورباهت عند البعض لكنه ضمن ما كان يطلق عليه القاموس القديم "دول الطوق"، أبقاهالتماس المباشر مع الحدث، فهذا فاقد أباه وذاك أخاه وثالث هدمت الحرب داره.

 

الالتصاق الذهني بذكرى الحدث انحصر في بؤرة الحدث ، تحديداً الفلسطينيين، الذينلازالوا يولدون ويموتون عند الحواجز الإسرائيلية يرضعون القضية مع لبان الأم ،وتختلط بفعالياتهم الشعبية من شعر وغناء ، الطفل الفلسطيني وحده يفهم حقيقة الصراع، ولم تدخل إلى معجمه مفردات الإعلام ، وجوابه حين يسأل: اليهود أخذوا أرضنا وقتلواأبي وهدموا دارنا.

 

للمراسل العربي الشاب حق الإصابة بالذهول، ولكن ربمافاته أن مؤسسته التي ابتعثته لمقابلة الشارع العربي، أو تلك التي سبق له العملفيها، أو التي سينتقل إليها مع سنوح أول فرصة وظيفية أفضل هم شركاء في صنع مناخثقافي توقف فيه إحساس الشاب بجريان الأحداث من حوله.

 

انطباعتنا نحن تفاوتت؛بعضنا بكى لمشهد الناس وهم يروون مأساتهم، والبعض الآخر صدمه جهل النشأ الجديدبقضاياه وانفصامه عنها، وصنف ثالث تمنى أن لا تعود إليه الذكريات...

 

أما عدونافانطباعاته مختلفة، وليس لها علاقة بالعواطف ، المقابلات بالنسبة له هي مسح ميدانيوبيانات لقاعدة معلومات عن مفعول جرعة أربعة عقود من نمط ثقافي على سلوك مجتمع،وبوصلة للنقلات الثقافية القادمة مع هذا المجتمع ولحجم جرع "السلام" معه.

 

هل نمطية الإعلام العربي وأجواؤه الثقافية مصادفة؟ إسرائيل، الطرف المنتصرفي الحرب، تجري مراجعات في ذكراها الأربعين، وتدرس الانعكسات السلبية للنصر العسكريعلى الجوانب السكانية والأمنية لمجتمعها اليوم ، الحدث لا زال نابضاً ومتجدداً فيالذهن الجماعي الصهيوني ، وقد صدر في تل أبيب كتب جديدة أفردت لها الصحافة العبريةمساحات واسعة.

 

كان رد الوطن العربي بملايينه الـ 300 على الأعمال الفكريةالإسرائيلية الجديدة هو قيام دار نشر في دمشق بإعادة طباعة كتاب كان قد نشر غداةالنكسة، وبمقدمة جديدةأكدت على التمسك بالمدرسة الآيديولوجية التي خاض بها العربالحرب، وخلصت إلى القول: إن تأسلم الشارع العربي، وإيمانه بالإسلام السياسي المنظمفي كل من فلسطين والعراق ولبنان ساهم بشكل أساسي بتداعي الحياة السياسيةوالاجتماعية ، وبقتل آخر حفنة أمل بالتغيير الديموقراطي والإصلاح.

 

الأعمالالفكرية العربية التي لم تصدر بوازع استراتيجي، لم تصدر بوازع انتهازي أيضاً، كماهو الحال في كثير من الأحيان، رغم القيمة التجارية المتوقعة، فالمواطن العربي الذيغير الحدث مسار حياته وحياة أبنائه وأحفاده، والذي طلق القراءة منذ أمد بعيد، لازالتواقاً لقراءة صادقة عن أسباب شقائه قبل مغادرته هذه الحياة.

 

هذا عن الإعلامالمقروء ، أما الإعلام المرئي، فلو أننا سلّمنا بأن الفضائيات العربيةوأطقمها الشابة هي مؤسسات صحفية بالأصل يغيب عنها ـ أو يكاد ـ البعد الفكري، وأن ماقامت به هو أفضل ما يسمح به تكوينها المهني، فليس هذا عذراً لتدني المهنية والجديةفي تغطية الحدث، فانكشاف المستور الذي زكم الأنوف لم يستفزها لإطلاق مشروع ثقافيإنقاذي أو نحوه تكون هي الرابح الأكبر فيه في كسر نمطية مضطردة مملة باتت سمةلبرامجها.

 

الهبّة الإعلامية المرئية كانت أقرب إلى "حكايات جدتي" منها إلى مسحعلمي ميداني يليه عودة فورية بالبيانات الطازجة إلى مختبرات التحليل، يليه عرض أوليللنتائج تليه عروض أخرى، واتخذت شكل وقفات بعضها بطول الإعلانات التجارية، ما لبثتأن اختفت فاسحة الطريق للبرامج العادية ولإغفاءة أخرى، وحتى يحين موعد الذكرى 50للنكسة نترككم في رعاية الله.

 

ليس تدني المهنية والجدية وحدها فقط، فإطلاقالإعلام العربي لسراح الأفلام الوثائقية الأجنبية المنتَجة في مطلع القرن الماضيالتي تتحدث عن حيثيات قيام النظام السياسي العربي المعاصر ومقدمات ضياع فلسطين،يذكّر بأجهزة التعويق الزمني المستخدمة في المقابلات الإذاعية التي تبث على الهواءمباشرة، والتي تمنح المخرج آلية تعويق البث لعشرة ثوانٍ يقتطع خلالها ما لا يرىوصوله مناسباً إلى المستمع.

 

الأفلام حملت قدراً من الأمانة العلمية عن دور الإنكليزوجواسيسهم في قيام الدول والممالك العربية، وعن صفقات الهجرة اليهودية، أما بواطننكسة 1967، بل قُل نكسة احتلال العراق وحكوماته العميلة فيطبق عليها صمت القبور.

 

المفارقة الكبيرة تشعر بأن ذاكرتنا الجماعية تخضع لتعويق زمني قدره 80عاماً على الأقل، ولا تشحن إلا بما انتهت صلاحيته الميدانية، وبالتالي فهي منكبةأبداً على ما قد فات أوانه، لا تواكب الحدث فضلاً عن أن تستشرفه.

 

بدلاً منأن يقوم الإعلام العربي الرسمي والتجاري بإنعاش الذاكرة الجماعية للأمة وإعادةترتيبها في حقبة مفصلية من تاريخها، راح يعيد كتابة القاموس السياسي والثقافي،فالشهيد قتيل والمقاوم مسلح، واستعادة الأرض لا تحريرها، والشرق الأوسط بدلاً عنالمنطقة العربية، وغيرها الكثير من عناوين ودلالات يستعصي جريانها في أوعية الذهنالعربي والمسلم...

 

ما حدث هو تصلب شرايين منعَ دوران المفاهيم في الذهن الجماعيللمجتمع ؛ فماتت أجزاء منه لم يصلها الإمداد الفكري وفقدت القدرة على الإحساس، مثلمايحدث لنهايات أطراف جسم الإنسان التي يزداد فيها الجلد سماكة فتنسد أوعيتها ، ويتوقفمرور الدم فيها ، وتموت وتفقد حاسة المس ، ولا يعود لجرح فيها إيلام.

 

المؤسساتالإعلامية والتربوية التي حذفت مغازي الرسول صلى الله عليه سلم مع اليهود من مناهجالتعليم ، وقطعت إمداد الذاكرة الجماعية بمفاهيم تقع على مسافة زمنية قدرها 14 قرن،من باب أولى أن تحذف مغازينا مع الصهاينة والأمريكان التي تبعد ثلاثة أو أربعةعقود، وطمس بصمات وآثار أقدام الجاني في الذاكرة الجماعية ، وكل ما يرشد إلى الجريمةوهوية الفاعل، وقد كان.

 

لم يعد 5 حزيران 1967 حديث منابر جمعة، ولا كلماتلأغنية وطنية أو فعالية شعبية، لم يعد له أثر في فقه أو أدب أو فن كما كانت القدسوقناة السويس والجزائر وبيروت في الخمسينيات، إنه شأن فلسطيني محض، بل هو شأن أهلالضفة الغربية وغزة الذين لفحهم وهج ناره...

 

لا ينبغي أن ننسى في هذا السياق أن 5حزيران بأهواله ومآسيه ليس سوى جزء من الذاكرة الجماعية الأوسع، فقبله كانت ثورةالجزائر جزءاً من الذاكرة المصرية، وكانت جنين جزءاً من الذاكرة العراقية، وعمرالمختار جزءاً من الذاكرة السورية، وقبل ذلك كله كان صمود العثمانيين في وجه روسياالقيصرية في البلقان وصمودهم في وجه الصفويين جزءاً من الذاكرة العربية.

 

هكذا،كلما انحسرت الجغرافيا انحسرت معها الذاكرة حتى تصبح جدولاً صغيراً في بطن وادٍعريض ، يرى الواقف على ضفته حدود مجراه القديم الواسع، والتدرجات التي أحدثها عند كلتقهقر.

 

ستستمر عملية الانحسار، وستنحسر أهوال سقوط العراق وعاصمة الرشيد عنالذاكرة الجماعية (مع إن سقوطها الأول لازال صامداً) ولأحدنا أن يسأل نفسه: متىكانت المرة الأخيرة التي سمع فيها عن ضحايا اليورانيوم المنضب الذي سكبته أمريكافوق العراق؟ وعن هلاك الزرع والضرع ، وعن التلوث الأبدي للتربة والمياه؟ لقد أقفلالملف، بل أتلف، صمتت عنه الفضائيات العربية والسرطانات لا تزال تحصد الأحياء وتشوهالأجنة في الأرحام.

 

هل من عجب أن يجيب شاب عربي على تساؤلٍ في الذكرىالأربعين لاحتلال العراق: لم أسمع بالاحتلال، ولا بمليون عراقي قتلهتم إشعاعاتاليورانيوم؟ لن يجيب على هذا السؤال حينها سوى العراقي ، فالشأن شأنه هو فقط، هو ـكالفلسطيني ـ الذي تستعصي على معجمه مفردات الإعلام ، ويسمي الأشياء بمسمياتها؛ فلاقوات متعددة الجنسيات ولا تدخلات لدول الجوار، وإنما عودة للمجوس تحت رماح احتلالأمريكي صهيو – مسيحي ، لقد أخبره الجد والجدة أن إيران لم ولن يأتي من صوبها الخير،حتى الريح المحملة بالأتربة التي تهب من جهة الغرب يسيمها العراقيون شرقية، لأن كلأذى يصيبهم لابد أن يكون لإيران فيه دور.

 


الذاكرة المحلية تحل محل الذاكرة
الجماعية التي تنحسر عن رقعتها التاريخية، وينحسر معها الوازع الفكري الجماعيتاركاً مساحات ضحلة في الذهن لا تتناسب مع حجم الرصيد الفكري الذي تستنزفه المشاريعالعملاقة لكي تنطلق، مثلما تنحسر مياه المحيط العميقة تاركة شواطئ ضحلة وتاركةسؤالاً على لسان سكان الشواطئ: ما الحكمة من بناء سفن عملاقة لن يكتب لها الإبحار؟وهو سؤال منطقي في ظاهره، وهو نفس السؤال الذي يطرحه سكان الشواطئ الفكرية فتحتجبصناعة المشاريع العملاقة.

 

انحسار الذاكرة الجماعية يلقي ظلالاً كثيفة علىنمط ما يفترض أنها مشاريع إصلاح استراتيحية في حقبة أزمات ، لكنها في الواقع مشاريعتضميدية تتهيب من العناوين الكبيرة ، نظريتها الشكوى، ووسيلتها الإسعافات الأولية،ومنابرها المؤتمرات، تنتظر وقوع الحدث لتصفه ولا تصنعه.

 

بتكاثر المؤسسات "الشاطئية" واحتجاب المشاريع العملاقة يصبح المشروع الفردي خيار الأفكار الجذرية،الذي يتخذ في الغالب شكل مغادرة الحياة على قارب استشهاد؛ وهو ما يعني إتقان فنالموت في سبيل الله تعالى فقط وليس إتقان الحياة في سبيله أيضاً، الذي به يكتملمفهوم "الدنيا مزرعة الآخرة" كما يريد مليكها عز وجل أن تكون.

 

كانت الذكرىالأربعين لنكسة 5 حزيران بعناوينها الإعلامية الباهتة، ونمطها الإعلامي الامتاعي،والاحتباس الفكري عند النخب، والانفصام عن القضايا المصيرية عند الشارع، كانتفعالية حملت معالم رقابة ذاتية صارمة يمارسها شعب على نفسه، ويبني بها ذاكرة جماعيةاعتذارية وعقد ذنب ، أوَلسنا نطلق النار على أنفسنا بمقولات: نحن مصدر الإرهابالعالمي، ومصدر التشدد، ونحن من استعصت الديمقراطية على أفهامنا، وأننا من دونالأمم الذين يكبلنا ديننا وتراثنا فلا نعرف طريقاً للالتحاق بمجتمع العولمة؟ ألاتعيش قطاعات من مجتمعاتنا استسلاماً للقدر الأمريكي؟!.

 

ستشتد مراقبة الذاتومماشاة القدر الأمريكي مع حسم معارك فكرية داخل مؤسسات إعلامية عربية بين التياراتالإسلامية والعروبية من جهة والتيار الليبرالي من جهة ثانية الذي يمثل رغبة أمريكية - إسرائيلية في وضع حد لعقد من الزمان من إعلام نوعي أوجدته الصدفة لكنه أصبحمنبراً لمن لا منبر له للإزعاج، ليس بالقصف من الأعلى ولكن بالقوة الناعمة منالداخل، وقد أخلى أطراف النزاع مواقعهم الأخرى وقدموا إلى المنازلة الإعلاميةالفاصلة.

 

لو كان التاريخ ليعذر أمة اعتقدت بالقدر الأمريكي فستكون اليابان؛الدولة التي سُويت بها الأرض وقبلت سلاماً مجحفاً ، وارتضت دستوراً كتبه الأمريكيالمحتل، وخلعت عن إمبراطورها راغمة صفة الألوهية ، لكنها وهي الشريك الاقتصاديالأول لأمريكا رفضت الضغوط الأمريكية ، ومضت في قرار وطني لإقامة متحف يخلد ضحاياالقصف الذري لمدنها، ورفضت لتسعة وأربعين عاماً إيقاف العناية المركزة عن آخر ضحاياالإشعاعات الذرية الذين رقدوا في مستشفياتها في حالة شلل تام ليكونوا متاحف حيةتعرّف أجيال اليوم بما فعله الأمريكان بالآباء بالأمس.

 

وفي اليابان جمعياتتعنى بتراث هيروشيما وناكازاكي ، ولا تنقطع عن إنتاج برامج وثائقية وبحوث اجتماعيةتشحن الذاكرة ، وتسلط الضوء على الأوبئة الاجتماعية التي يجلبها الجندي الأمريكي إلىالمدينة والحي والأسرة اليابانية، وتؤمن هذه الجمعيات بذاكرة جماعية عالمية ضد حروبأمريكا على الشعوب ، وتمد جسور تعاون ثقافي مع الشعوب الضحية.

 

لم يكن العنادالحضاري والاقتصادي للمجتمع الياباني في وجه الوجود الأمريكي والسلعة الأمريكيةمشروعاً رسمياً في أي مرحلة من مراحله، وإنما جهداً أهلياً كثيراً ما أوقع ويوقعالحكومة اليابانية في إحراجات أمام التزاماتها الدولية، لكنه في النهاية خدمةللطرفين الأهلي والحكومي.

 

وفي بريطانيا لا زالت صور وقصص الدمار التيأحدثها الألمان مادة تبثها البرامج التلفزيونية والمطبوعات على مدار العام دون كللأو ملل، وهي جزء لا يتجزأ من المناهج المدرسية، ومثلها الأسباب التي قادت إلى الحربمن وجهة النظر الإنكليزية طبعاً، وتنظم المدارس زيارات يصغي فيها الصغار إلى رواياتالكبار الذين عاينوا الحرب، وأخرى إلى مواقع مختارة تأثرت بالحرب، ويتفحص الأطفالشظايا قنابل حفظت لهذا الغرض، وتنتصب بجانب الموقع لافتة توجز الحدث بالأرقام ،فيلتحق النشء الجديد بالذاكرة الجماعية للمجتمع.

 

وكانت لندن قد أزاحت قبل أعوامقليلة فقط الستار عن نصب لـ (بومر هارس) قائد سلاح الجو البريطاني الذي أمر بحرقالمدن الألمانية بالطائرات ، وردت برلين بعمل مماثل ، وحينما وافقت على حفر نفقالقنال الإنكليزي الذي يربطها بأوربا، أشارت مسودة المشروع الهندسي إلى الحاجة إلىوسيلة لسد النفق وعزل الجزر البريطانية في حالة نشوب حرب! ..

 

إنعاش الذاكرةالجماعية، وتدوين التاريخ، وتنشئة الأجيال أمور لا تخضعها الأمم لحالة سلم أو حربأو اقتصاد. نعم، ليس للذاكرة الجماعية في هذه الدول وزارة خاصة، لكن أمرها موكولإلى مؤسسات متخصصة تراقب أداءها على مدار اليوم والشهر والعام، ولها مجسات ترصدتقلبات الرأي العام بمناسبة وغير مناسبة، وتتعامل مع أي نشوز فكري بالطرق المناسبة.

 

الصورة أشبه ما تكون بعمل مراكز رصد الزلازل التي تثبت مجساتها على طول حزام النشاطالزلزالي ، وتسجل تحركاته لحظة بلحظة ، وتسقطها على رسوم بيانية، فلا تفاجئها أخباروشوك حدوث الزلزال، فمهمتها استشعار وقوع الزلزال وليس الوقوف على أطلاله كما فعلتالفضائيات العربية بوقوفها على أطلال نكسة 5 حزيران 1967عندما تطالب الحكومات(الغربية) هذه الشعوب بالسير إلى حرب العراق أو الصومال أو أفغانستان أو دارفورفإنها تخاطب فيهم مفاهيم مودعة في الذاكرة الجماعية، وما الخطاب الإذاعي إلااستدعاءً لتلك المعلومات، فتلبي الشعوب النداء ، وتنقلب المواقف في يوم وليلة.

 

أليست هذه الشعوب رغم كل ما تفعله مؤسسات إنعاش الذاكرة أقل يقظة منأسلافها؟ نعم، لكن الأمم إما متبوئة لقمم الرفاهية والدعة في فترات الاستقرارمتراخية في مضمار البناء الفكري، أو متبوئة لقمم الفكر والنهضة في أوقات الضيق، ومتراجعة عن رغد العيش.

 

ومع ذلك فإن هذه الأمم تحرص على قدر من التوازن بين الأمنالثقافي والأمني من جهة وبين هامش التسيب الاجتماعي الذي هو من تداعيات مدنيتها.

 

ولا تنسى هذه الأمم أن حقب السلام هي استراحة محارب ، وأن المحارب لا يسعه نسيانالماضي والشروع من الصفر.

 

يذكر في هذا السياق أن هيئة الإذاعة البريطانية(بي بي سي) لا زالت ترفض أن تتحول من مؤسسة رسمية محدودة الموارد المالية يمولهادافع الضرائب إلى شركة تجارية لسبب رئيسي: هو الاستمرار في ممارسة دور الرقيب علىمفاهيم وخصائص المجتمع وتقديم مادة نوعية هجرتها المحطات التجارية ، في المقابل وضعإعلام البترودولار العربي نفسه في سلة واحدة هي سلة "البزنس"، الذي يقاس نجاحهبقدرته على جذب الإعلانات التجارية والتمويل الذاتي.

 

هذه هي أمم الشرق وأممالغرب، فهل نحن استثناءً؟ إننا بارعون على نحو لا تضاهيه أمة غيرنا فيإنتاج ذاكرة جماعية تلغي عامل الزمن، وتجعل من أبي بكر وعمر وهرون الرشيد رضي الله عنهم  شخصيات معاصرة أقرب إلى إنسان القرن الواحد والعشرين من معاصريه، ومن معارك بدروأحد والقادسية صوراً من أحداث الأمس القريب.

 

نحن بارعون في إدامة ذاكرة جماعيةتاريخية موروثة، ما نحن عاجزون عنه هو كتابة فصل معاصر يضاف إلى االذاكرة الموروثة، وينسجم مع سياقها لتبقى سلالتنا الفكرية والحضارية عصية على الخصم كما كانت أبداً.

 

الأزمات محطات مهمه في تاريخ الشعوب لا تفوّت، فيها تراجع القناعات، وفيهاتصنع المعجزات، وفيها يعاد رسم الشخصية الجماعية للمجتمع وهي فرص نادرة الحدوث.

 

والعصيان الثقافي هو خط الدفاع الأخير في حياة الأمم، وهو في مذهب العولمة ـ أولا زال إلى هذه اللحظة ـ من المكروهات التي يثاب تاركها ولا يعقاب فاعلها ، فلايلومن غيور مدرك لواقع أمته إلا نفسه.

 

إذا كان تراجع طموحنا، وانكماشمشاريعنا مرده إلى ضمور ذاكرتنا الجماعية، وشعورنا بالبعد عن أقرب الأمثلة الواقعيةالحية في مسار أمتنا، فإن إنعاش الذاكرة وإعادة ترتيب الذهن هو الطريق إلى الطموحاتالعالية والمشاريع الكبيرة، وكما يقول المثل الإنكليزي: "إذا أردت أن تكون عظيماًفليكن تفكيرك على طريقة العظماء" والعكس صحيح طبعاً.

المصدر : موقع التاريخ

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
التاريخ وأثره في تربية الأجيال

التاريخ وأثره في تربية الأجيال

د / محمد حاج عيسى الجزائري الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

الفاتح الذي اشتقنا لعودة أيامه (12)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

صقلية حضارة المسلمين المنسية

صقلية حضارة المسلمين المنسية

شريف عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري بدأت القوى العالمية...

جديد الأخبار المزيد
زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

زعيم سني يطالب بالسماح للسنة بالترشح للرئاسة بإيران

في ظل تهميش بارز للقاعدة السنية بإيران وحرمانها من المشاركة السياسية...

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

مستوطنون يشنون اعتداءات حرق وضرب وإطلاق نار بالضفة

أصيب العديد من الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة اليوم، خلال...

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

أهل العلوم ينتفضون في وجه ترامب بمظاهرات عارمة

في سابقة تاريخية، خرج أمس، آلاف العلماء والمناصرين للعلم، في...

  • أيام في سيلان والمالديف