• الصليب وحكاياته

أمريكا بين القناعة والعاهة

May 31 2011 23:38:44

الكاتب : ربيع فيصل الحافظ

أمريكا بين القناعة والعاهة
أمريكا بين القناعة والعاهة
تزدحم شبكة الانترنت بصور الجنود الأمريكيين العائدين من العراق والمصابين بعاهات مزمنة ، فهذا فاقد عينيه ، وذاك قدميه ، وثالث أطرافه الأربعة ، ورابع قد انصهرت معالم وجهه وغار أنفه في وجنتيه أو اختفت أذناه ، وخامس ثبّتت له أطراف صناعية بمسامير فولاذية ، وسادس وعاشر وألف بل عشرات الألوف.
هذه الصور يتداولها قسمان من الناس بشكل عام : ذوو الضحية في العراق وذوو الجنود الأمريكان.
 ما يريده القسم الأول واضح ولسان حاله يقول: "الظلم مرتعه وخيم" أو "الجزاء من جنس العمل"، أو "انظروا ما فعلته أسلحتكم بفلذات أكبادنا، ها قد أصابكم بعض ما أصابنا".
ورب معنىً آخر لاسيما أن جورج بوش كان يظهر في الصور إلى جانب الجندي المقعد، وهو الذي سينصرف عن المشهد السياسي بعد أشهر قلائل ليقضي حياة هادئة في هوايات صيد السمك ولعبة الغولف على ضفاف بحيرة ، أو في سهول أمريكا الغافية ، أو في مزرعته العامرة ، ولن يلتقي مرة أخرى بالجنود البائسين الذين ألقى بهم في أتون الحرب.
ما يستعصى على الأفهام هو ما يريده القسم الثاني الذي تمثله روابط الأمهات الأمريكيات اللاتي ينظمن معارض لهذه الصور، كلما حاولت الإجابة على هذا السؤال اعترضني سؤال آخر هو: هل بقي من يشك بعد خمسة أعوام على احتلال العراق أن الذي أخرج هؤلاء الجنود من بلادهم ومن أحضان أمهاتهم وعشيقاتهم لم يكن سوى حركة استباقية لتأمين إمدادات النفط في القرن الواحد والعشرين ليعودوا لأقوامهم بالكلأ والنار (النفط) والخبز والحليب؟ هل بقي في الدنيا ساذج لا يدرك أن الأمر لم يكن سوى عملية قرصنة اقتصادية (وسياسية)؟
الأمر الآخر هو أن ذهاب الشباب الأمريكي إلى العراق (أو إلى القرصنة) كان قرار نخبة مع سبق الإصرار، ويؤكد نقاد أمريكيون أنه قرار مؤسساتي لا علاقة له بمن يحتل البيت الأبيض، وأن العراق هو المكان الذي رأت النخبة السياسية الأمريكية أن يكون فيه الجيش الأمريكي ، فنحن أمام قرار تتخذه النخب ، ويصادق عليه المجموع في سلوك مشترك يجسد النمط الأمريكي في تدبير القوت.
ارتفاع أصوات الأمهات مع بداية وصول الجثامين والمعوقين في كل مرة (كما في حرب فيتنام) وليس قبلها أو ليس مع صدور قرار الحرب يضعهم أمام مسؤولية أخلاقية ، غالبية الأمهات والزوجات والعشيقات وقفن على أرصفة الموانئ قبالة البوارج الحربية التي كانت تستعد للإبحار يحيين المهمة النبيلة التي سيذهب من أجلها الجنود ، وتجاهلن أصوات العقل في أمريكا التي حذرت من تحالف السياسة / المال الذي تتشكل منه الحكومة الأمريكية ومشاريعه التي تدفع العالم نحو الهاوية.
مسألة أخرى، وهي أن القرصنة بمقاصدها وعواقبها هي مرحلة مهمة في التاريخ الأمريكي لا تنفيها ، أو تتبرأ منها ثقافة المجتمع الأمريكي ومناهجه التعليمية ، لا بل هي نمط الحياة الاجتماعية وأيديولوجية الدولة في مرحلة التأسيس، ولو أن طفلاً أمريكياً طلب منه رسم صورة لقرصان لرسم صورة يتلازم فيها أمران: كنز إلى جانبه إنسان فيه عوَر أو عرَج.
"القرصنة والعاهة" هما طرفي معادلة البقاء على قيد الحياة عند الإنسان القديم ، الذي يَغير على جنسه من بني الإنسان كلما أحسّ بالجوع أو البرد للظفر بالكلأ والحطب والعودة إلى الصغار بالدفء وما يسد الرمق، والعودة مثخناً بالجراح التي يلامس دماؤها قوت الصغار ، أي أننا اليوم أمام إنسان قديم في عالم "رقمي" Digital، حلّت فيه "الهمر" محل العربة، والعبوة الناسفة التي تزرع على جانب الطريق وتمزق جسده محل السهم.
إدراج المجتمع الأمريكي للقرصنة كمحطة على سلمه الاجتماعي هو قبول لمتوالية سلوكية لا أخلاقية ثلاثية: حاجة - قرصنة – عاهة ، بلغت هذه المتوالية أجلى صورها في سلوك الأمريكي في مرحلة تأسيس أمريكا عندما كان يمارس قتل الهندي الأحمر بيده ، ويسلب مزرعته بيده ، ويجلب الرقيق الإفريقي بسفينته.
الطفل الأمريكي لن يرسم صورة حديثة للقرصان على هيئة مقاتل حليق الرأس مبتور الساق ومجدوع الأنف تتحرك أطرافه بآلات الكترونية معقدة ، والأم ترفض عاهة ابنها ، لأن المارينز بحسب الإعلام الأمريكي لم يخرج للسلب وإنما لإشاعة الحرية.
من سنن الإمبراطوريات أنها تحتاج إلى الحروب لتأمين نفقاتها ونمط عيشها الباهظ، وستكون أمريكا في حاجة دائمة لإرسال شبابها إلى حيث يوجد النفط والغاز واليورانيوم وإلى الدخول في حروب مع أصحاب الثروات الحقيقيين.
لن نجد للأمهات الأمريكيات المنكوبات عزاءً ، فقرصان الأمس كان يستأثر بسلبه ، وفقد العين أو الساق يبقى ضمن مغامرة محسوبة ، أما قرصان اليوم فيعمل لصالح الشركات المتعددة الجنسيات التي يهيمن عليها 2% من الشعب الأمريكي ، وهؤلاء هم الذين يتحكمون بالسياسة والإعلام والاقتصاد ، ويملكون صناعة السلاح وبيدهم قرار الحرب ، فلهم المغنم وعلى الجندي الأمريكي وأمه المغرم ، فلا قيماً أشاع ، ولا عاد بسلب ولا أبقى على قدميه.
شكوى الأمهات لا يمكن أن تكون من أمرين كلاهما شرّ ، وكل منهما مسبب للآخر ، شكواهن ينبغي أن تتوجه نحو ثقافة الجشع والبطر التي لا تؤمنها سوى الحروب ونهب خيرات الشعوب.
على الأم الأمريكية أن تدرك أنها أمام خيارين : البتر والعاهة ، أو القناعة والسلامة ، وأن الجمع بين البتر والسلامة ليس من سنن الحياة.
عندما يدرك الأمريكي أن التركيب الاجتماعي الذي وصل به إلى الأرض الجديدة لم يتغير ، وأن الأبناء (المهذبين في الداخل) يسلكون سلوك الإنسان البدائي القديم في الخارج لتأمين البنزين الرخيص والخبز، وعندما يدرك أن الذي تغير ليس حياة القرصنة ، وإنما تقنياتها ومجيء الطائرة التي نقلته من مسرح ذبح الهندي الأحمر على ضفاف المسيسيبي إلى مسرح ذبح العراقي على ضفاف دجلة والفرات ، عندما يدرك ذلك ستكون العاهات في نظره نتيجة حتمية لنمط عيش اختاره، فهو الذي هاجر من أجل القوت ، وأفنى أصحاب الأرض الأصليين من أجل القوت ، وكون أول تجمع بشري على أساس القوت ، واليوم يجوب الأرض ويشعل الحروب من أجل القوت بعد أن شحت موارد الأرض الجديدة.
مع اشتداد تنافس إنسان قرن الواحد والعشرين على الماء والكلأ والنار ستتسارع وتيرة تراجعه إلى نمطية الإنسان القديم ، الذي ليس في جسده موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح ، وسيكون للإمبراطورية التي تأسست بطريقة الإنسان القديم ، والتي تدافع للبقاء على قيد الحياة بطريقة الإنسان القديم (هيروشيما، ناكازاكي، كوريا، فيتنام، ابتزاز شعوب أمريكا اللاتينية، العراق ... إلخ) سيكون لمدن هذه الإمبراطورية وشوارعها وميادينها ومشافيها الحظ الأوفر من العاهات.
المصدر : موقع التاريخ

 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
مبروك عليك العراق وسوريا ولبنان يا إيران!

مبروك عليك العراق وسوريا ولبنان يا إيران!

  د. فيصل القاسم قال لي ديبلوماسي وخبير إيراني قبل أشهر كلاماً...

التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948 (2)

التنظيـمات الصهيونية العسـكرية قـبل مايـو 1948 (2)

د / عبد الوهاب المسيري الهاجاناه Haganah «الهاجاناه» كلمة عبرية...

شمس الدين السخاوي وإعادة الاعتبار لعلم التاريخ

شمس الدين السخاوي وإعادة الاعتبار لعلم التاريخ

عادة ما يكون الاهتمام بعلم التاريخ مقياسا لمدى تقدم الأمم والمجتمعات،...

جديد الأخبار المزيد
السعودية المصدر الأول لتمويل الحوثيين وغسيل أموالهم (حقائق تنشر لأول مرة)

السعودية المصدر الأول لتمويل الحوثيين وغسيل أموالهم (حقائق تنشر لأول مرة)

  أجرى موقع يمن برس تحقيقاً حول عمليات تمويل الحوثيين وكيف تتم...

اتهامات حقوقية لقوات حفتر بارتكاب انتهاكات ترقى لـ جرائم حرب

اتهامات حقوقية لقوات "حفتر" بارتكاب انتهاكات ترقى لـ"جرائم حرب"

اتهمت منظمة حقوقية ليبية قوات مجلس نواب طبرق، التي يقودها خلفية حفتر،...

مقاتلو المعارضة على أبواب حماة وطائرات روسية تستهدفهم

مقاتلو المعارضة على أبواب حماة.. وطائرات روسية تستهدفهم

قال مصدر عسكري من قوات النظام السوري، الجمعة، إن طائرات حربية...

  • أيام في سيلان والمالديف